عاش الخواجه نيكولو مكيافيللي 58 سنة، بين عامي 1479 و1527، كانت فترة حياته هذه في أوج عصر النهضة الرينيسانس في أوروبا، حيث كان كل شيء مزدهرا في وطنه ايطاليا، كل شيء ابتداء من فن الرسم والنحت وليس انتهاء بفن الحكم وعلم السياسة والكتابة، والانتهازية أيضا. في فلورنسه حيث كان مكيافيللي يعيش ويكتب جاء الى الحكم واحد من آل مديتشي واحتاج الى دليل عملي، أجندة يسير على هداها في ديوان السياسة وادارة دفة الأمور هناك شمر مكيافيللي، كما لعلك تعرف، عن ساعد الجد وشحذ قريحته الخصبة، ولم يستغرق الأمر طويلا، حتى كان قد انجز كتابه الشهير بعنوان (الأمير) وهو عنوان عمومي على المشاع كما قد نسميه لأنه يصدق على كل ولي بالأمر سواء كان حاكما أو خليفة أو سلطانا أو خاقانا أو خديويا أو شاهنشاه. أصدر مكيافيللي كتابه (الأمير) عام 1513 وأيد فيه أسلوب الحكم المطلق والاستبداد السياسي ورغم أن عصره كان يسمح بذلك، الا أن صاحبنا الايطالي الداهية لم يتورع عن نصح الأمير بطل كتابه بألا يتورع عن أي شيء والا يصده وازع من ضمير عن أن يسود البلاد ويتحكم في رقاب العباد وأن يسلك في هذا كل وسيلة وأي وسيلة بصرف النظر عن العرف أو الاخلاق، هكذا شاعت عن كتاب (الأمير) قاعدة أن (الغاية تبرر الوسيلة) وأصبح نيكولو مكيافيللي وبطله رمزين للاستبداد والانتهازية، أين هذا مثلا من تراث عربي اسلامي كان يصدر عن مفكر وفيلسوف مسلم هو أبوالنصر محمد الفارابي (870-950 للميلاد) الذي خلف للفكر الإنساني كتابه الشهير عن الحكم، رموزه وأفراده وأساليبه وأفكاره بعنوان (آراء أهل المدينة الفاضلة) وركز فيه الفارابي على أن هذه المدينة التي تراود بها الوجدان الاسلامي لابد وأن يحكمها رئيس أول الشروط التي تتوافر في شخصيته وتكوينه هي (أن يكون عالما، متعلما). قال الراوي: وعندما تولى محمد علي باشا الألباني الأصل أريكة الحكم في مصر في سنة 1805 كان لفرط ذكائه حريصا على أن يتعلم فنون السياسة ولعبة ادارة دواليب البلاد، لا ندري من نصحه بأن يطلع على كتاب (الأمير) من تأليف مكيافيللي اياه، ونقول (يطلع) لأن محمد علي باشا في أغلب الظن كان أميا أو شبه أمي، وحين أتوا بمن يقرأ على جانب الوالي فصولا من مكيافيللي يقال انه بعد جلسة أو جلستين، سئم الأمر وطرد القارئ ولسان حاله يقول سرا أو جهرا: هذا الايطالي لم يأت بجديد. فأنا (محمد علي) أعرف مثل هذه الأساليب وأعرف ماهو أكثر منها وماهو أخطر شأنا وأدهى.. وسواء صحت الرواية، أو شابها خلط من تلافيف التاريخ، فالثابت أن محمد علي كان واحدا من دهاة عصر النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان من ذلك الطراز الذي نراه نادرا من بناة النهضات ومؤسسي الدول في العصر الحديث، شأنه في ذلك شأن الامبراطور بطرس الأكبر في روسيا (1672-1725) أو فردريك الثالث (1712-1786) في ألمانيا أو لويس الرابع عشر الملك الشمسي في فرنسا (1638-1715). وربما كان الجامع المشترك بين هؤلاء الرجال الكبار هو انهم حملوا شعوبهم على جادة الانضباط الى حدة القسوة في بعض الأحيان، وأنهم امسكوا مقاليد الأمور في أيديهم بحزم شديد وقدرة فائقة على المتابعة والتفقد والتفتيش الى حد المركزية وربما الاستبداد في بعض الأحيان. وربما كان عذرهم التاريخي أنهم كانوا يؤسسون ويرسون أولى اللبنات في صروح الدولة القوية والمجتمع القادر على النمو والتقدم.. وكما في حالة بطرس الأكبر الروسي، تعين على محمد علي في مصر أن يوفد مبعوثين الى أوروبا كي يتعلموا ويثقفوا علوم أوروبا ومهاراتها ويستوعبوا ثمار تقدمها التكنولوجي في شتى الميادين ويحولوها الى بذور يعودون بها عبر البحر المتوسط لكي يزرعوها في تربة بلادهم ومن ثم فقد أفضت الى ثمار يانعة في نقل الحياة العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر من تخلف الحقبة العثمانية الى حيث استشراق الغد الواعد على أن عزيز مصر محمد علي باشا كما كان يصفه علي مبارك وكان واحدا من هؤلاء المبعوثين الى باريس، لم يكن ليترك أمور البعثات للصدفة ولا لحركة القصور الذاتي، كان حريصا على أن يتابع كل تطور الأمور وعلى وجه من الدقة بل والتفصيل من طرائف فترته تلك الرسالة التي بعث بها محمد علي، أو بالأدق أملاها و تم تدبيجها بأسلوب العصر على لسانه، والرسالة نشرها رفاعة الطهطاوي النابغة الذي أرسله (العزيز) الى فرنسا، ذهب اليها ازهريا بسيطا وعاد منها مفكرا كبيرا ومترجما ضليعا ومربيا متمرسا وأستاذا لمدرسة محدثة في السياسة والفكر والتربية والاجتماع. نشر الطهطاوي رسالة الوالي محمد علي الى تلاميذ بعثة (الاتجال) في كتابه الشهير بعنوان (تلخيص الابريز)، وتاريخ الرسالة بالضبط هو عام 1828. وفيما يلي نص الرسالة: (قدوة الاماثل الكرام الأفندية المقيمين في باريس لتحصيل العلوم والفنون، زيد قدرهم، ننهي اليكم انه قد وصلنا أخباركم الشهرية والجداول المكتوب فيها مدة تحصيلكم، ومافهمنا منها شيئا. وأنتم في مدينة مثل باريس التي هي منبع العلوم والفنون، مقياسا على قلة شغلكم في هذه المدة عرفنا عدم غيرتكم وتحصيلكم. وهذا الأمر غمنا غما كثيرا فيا أفندية ماهو مأمولنا منكم، فإذا لم تغيروا هذه البطالة بشدة الشغل والاجتهاد والغيرة وجئتم الى مصر بعد قراءة بعض كتب فظننتم انكم تعلمتم العلوم والفنون فإن ظنكم باطل، فعندنا ولله الحمد والمنة رفقاؤكم المتعلمون يشتغلون ويحصلون الشهرة. فيبتغي للإنسان أن يتبصر في عاقبة أمره وعلى العاقل ألا يفوت الفرصة وأن يجني ثمرة تعبه. فبناء على ذلك انكم غفلتم عن اغتنام هذه الفرصة. وتركتم أنفسكم للسفاهة ولم تفكروا في المشقة والعذاب الذي يحصل لكم من ذلك، ولم تجتهدوا في كسب نظرنا وتوجهنا اليكم لتتميزوا بين أمثالكم. فإن اردتم أن تكتسبوا رضاءنا فكل واحد منكم لا يفوت دقيقة واحدة من غير تحصيل العلوم والفنون. كل واحد منكم يذكر ابتداءه وانتهاءه كل شهر ويبين زيادة على ذلك درجته في الهندسة والحساب والرسم ومابقي عليه في خلاص هذه العلوم. ويكتب في كل شهر مايتعلمه في هذا الشهر زيادة على الشهر السابق. وان قصرتم في الاجتهاد والغيرة فاكتبوا لنا سببه وهو أما عدم اعتنائكم أو من تشويشكم وأي تشويش لكم: هل هو طبيعي أو عارض وحاصل الكلام انكم تكتبون حالتكم كما هي عليه حتى نفهم ماعندكم وهذا مطلوبنا منكم. فقرأوا هذا الأمر مجتمعين وافهموا مقصود هذه الادارة وقد كتب هذا الأمر في ديوان مصر في مجلسنا في اسكندرية بمنه تعالى فمتى وصلكم أمرنا هذا فاعلموا بموجبه وتجنبوا وتحاشوا عن خلافه).