صدر في وقت سابق من الشهر الحالي في الولايات المتحدة كتاب من تأليفي بعنوان «ما الذي يعتقده الامريكيون ذوو الاعراق المختلفة حقا». وهذا الكتاب هو تحليل مقارن لوجهات نظر ست من الجماعات الامريكية العرقية المختلفة وقيمها. وتشكل الجماعات التي اخترتها لدراستها بصورة جماعية 40% من المجتمع الامريكي. ويشكل الامريكيون الافارقة ما يزيد على 12% من المجتمع الامريكي وكذلك الحال بالنسبة للامريكيين ذوي الاصول الامريكية اللاتينية، ويشكل الامريكيون الايطاليون 10% ويشكل الامريكيون الآسيوين واليهود والعرب 6% من سكان الولايات المتحدة. وتعد معرفة الكيفية التي يفكر بها ابناء هذه الجماعات العرقية المختلفة امرا مهما، فالولايات المتحدة ليست فقط مجتمعا غير متجانس وانما في العديد من اجزاء البلاد تشكل جماعة او اكثر من هذه الجماعات نسبة مئوية يعتد بها من السكان. ومع اتجاه امريكا الى ان تصبح مجتمعا اكثر تنوعا وليس اقل تعددا فإن فهم الكيفية التي تحدد بها الجماعات المختلفة هويتها ومعرفة ما الذي تقدره وطبيعة مشاعرها حول القضايا المهمة كل ذلك يصبح امرا مهما بصورة متزايدة بالنسبة لصانعي السياسات. ويقوم هذا التحليل الذي يضمه الكتاب على اساس المعلومات الاستطلاعية المستمد من «استطلاعات الثقافات» التي انجزها معهد زغبي الدولي لاستطلاعات الرأي، ومن هنا فإنه يضرب جذوره في بيانات علمية. وتمثل ما توصلت اليه في دراستي في انه على الرغم من الضغوط الرامية الى الانطلاق نحو التوافق الناجم عن ايجاد ثقافة سائدة يفرضها الاعلام في الولايات المتحدة، فإن الانتماء العرقي يظل عاملا مهما في تشكيل تحديد الناس لهويتهم. حيث يعبر 85% من جميع الافراد المدرجين في دراستي عن اعتزازهم بتراثهم العرقي، ويشمل هذا الامريكيين المنتمين الى الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين. وهذا التراث والاحساس بالتاريخ المشترك والثقافة والاهتمامات التي تمثلها له في حقيقة الامر تأثير قابل للقياس على المواقف. عندما يقول اكثر من اربعة اشخاص من اصل كل خمسة اشخاص انهم يعتزون بتراثهم، وعندما يقول من يتراوحون بين ثلث الى ثلثي من جرى استطلاع رأيهم ان هذا التراث مهم للغاية بالنسبة لتحديدهم لهويتهم، فإنه يتعين علينا ان نهتم بهذا العامل. وقد تختلف الكيفية التي يبرز بها هذا الشعور بالاعتزاز العرقي من جماعة الى اخرى، وقد يزيد زخمه من قضية الى الاخرى، فمن المعروف على سبيل المثال ان كل جماعة عرقية لها قضية محددة تهتم بها، غالبا ما تنتمي الى مجال السياسة الخارجية، وتشكل جزءا اساسيا من أجندتها السياسية. وبينما قمنا بقياس مدى اهمية العديد من هذه القضايا في غمار استطلاعنا لآراء الجماعات العرقية المفردة التي قمنا باستطلاع آراء عينة من المنتمين اليها، فقد ركزنا في هذا الكتاب على مواقف الامريكيين المنتمين الى جماعات عرقية مختلفة إزاء مجموعة اكثر عمومية من القضايا التي تشترك فيها هذه الجماعات كافة. وقد وجدنا بعض المجالات التي تتماثل الردود على الاسئلة المتعلقة بها تماما، ووجدنا مجالات تبرز فيها خلافات تلفت النظر بين مجموعاتنا بل وبين المجموعات الفرعية التي تتألف منها. ووجدنا على سبيل المثال ان من بين مجموعاتنا كافة فإن الاعتزار بالانتماء العرقي وأهمية العرق هما اقوى ما يكونان في صفوف الامريكيين الافارقة، والى مدى مختلف لدى المهاجرين اليهود والعرب الى الولايات المتحدة والذين تعرضوا لدرجة من التمييز ضدهم. وعلى الرغم من ان الاعتزار العرقي والتوحد مع الهوية العرقية هي اقوى ما يكونان في صفوف المهاجرين، ويبدو ان اقل قوة فحسب في صفوف خريجي الجامعات ومن ولدوا في الولايات المتحدة وخطوا بثراء اكبر، فإن تأثير هذه القوة يظل شديدا الى حد كبير، حيث ان اكثر من 50% ممن شاركوا في استطلاعات الرأي التي اجريناها يحتفظون بـ «صلة عاطفية قوية بأرض تراثهم وحوالي 20% ممن جرى استطلاع رأيهم يبعثون بالمال الى عائلاتهم في البلاد التي تشكل خلفية انتمائية لهم». كما وجدنا كذلك دليلا في دراستنا على تأثيرات التمييز، وعلى الرغم من اننا نسعى الى ان نكون «امريكا واحد» فإن نصف من شاركوا في استطلاع الرأي الذي اجرينا اشاروا الى تعرضهم للتمييز ضدهم بسبب تراثهم العرقي. وأشار اكثر من 15% ممن شاركوا في استطلاع الرأي الذي اجريناه الى انهم لا تربطهم صداقات شخصية وثيقة بأفراد ينتمون الى جماعات عرقية اخرى. وينطبق هذا على وجه التحديد على الامريكيين الافارقة الذين ابدوا من بين كل الجماعات موضع الدراسة اقوى شعور بالاعتزاز بتراثهم واوردوا اعظم تعرض للتميز ضدهم بسبب عرقهم، وهم اقل احتمالات لان يقطنوا في احياء مختلطة الاعراق ولان تربطهم صداقات وثيقة بالجماعات العرقية الاخرى، وتوضح كل هذه السلوكيات والمواقف تأثير عملية العزل والنزعة العنصرية اللتين تعاني منهما هذه الجماعات الكبيرة من الامريكيين. وقد لاحظ كذلك ارتباطاً بين الاعتزاز العرقي والتدين والفلسفة السياسية، ووجدنا على سبيل المثال ان تأثير الانتماء العرقي يسود الشعور به بأكثر الاشكال عمقا في صفوف الاشخاص الاكثر تدينا في اطار جماعاتهم العرقية، واوضح ما يزيد على 50% ممن شاركوا في استطلاعات الرأي التي قمنا بهم انهم يشاركون في الصلوات الجماعية مرة على الاقل اسبوعيا، وتبدو هذه الجماعة بشكل او بآخر اكثر محافظة في التوجه السياسي. غير اننا وجدنا على وجه الاجمال ان من الصعب استخدام تصنيفات تقليدية بصدد المواقف التي يتخذها هؤلاء الامريكيون ذوو الانتماء العرقي في قضايا راهنة مهمة، وفي حقيقة الامر فإنه اذا وضعت مجموعة المواقف المشتركة التي تتخذها الجماعات العرقية الست في رزمة واحدة، فإنها تناقض طرحاً محوريا من طروحات الحكمة السياسية التقليدية المعاصرة وبينما وصل الكثير ممن يقدمون انفسهم على انهم معتدلون في كلا الحزبين السياسيين الى تحديد محور الحياة السياسية الامريكية على انه يتمثل في كون المرء محافظا على الصعيد السياسي وليبراليا على الصعيد الاجتماعي، فإن ما توصلنا اليه في دراستنا هو انه في العديد من القضايا الرئيسية تحدد جماعاتنا العرقية محوراً سياسيا مختلفا اشد الاختلاف يتسم بأن يكون المرء ليبراليا على الصعيد المالي ومحافظا على الصعيد الاجتماعي. وعلى سبيل المثال فإنه فيما يتعلق بالعديد من القضايا توافق اغلبيات كبيرة في الجماعات موضع الدراسة على مواقف نظر اليها تقليديا على انها مواقف ليبرالية، فهي توافق على استخدام فائض الميزانية الاتحادية في تقوية الضمان الاجتماعي وبرامج الرعاية الصحية وزيادة الحد الادنى للاجور وفرض غرامات على من يقومون بتلويث البيئة وعلى الحاجة الى سن قوانين جديدة لوضع ضوابط لحيازة السلاح واستخدامه. وبالمقابل، وفيما يتعلق بقضايا اخرى توافق الاغلبيات في الجماعات العرقية كافة على وجه التقريب على مواقف بعينها حيال قضايا محافظة، فهي على سبيل المثال توافق على ان آباء الفتيات اللواتي تقل اعمارهن عن 17 عاما ينبغي اخطارهم اذا سعت هؤلاء الفتيات الى اجراء عمليات اجهاض لهن وعلى ان هناك حاجة الى فرض عقوبة الاعدام، وعلى ان الصغار الذين يستخدمون الاسلحة النارية لارتكاب جرائم ينبغي ان يعاملوا معاملة الكبار، وعلى ان تقديم دعم للآباء لدفع نفقات التعليم لابنائهم يعد فكرة جيدة. وما يخلص الكتاب اليه هو انه حتى مع هذا الاتفاق على نطاق معين من الافكار، فإن امريكا ليست «بوتقة انصهار» وربما لم تكن كذلك في اي يوم من الايام حيثما يتعلق الامر بمحاولة صهر الاعراق لتحويلها الى كتلة متجانسة قوامها ثقافة موحدة وهوية مشتركة. وبدلا من وصفها بأنها «بوتقة انصهار» فإن افضل ما يمكن انت توصف به امريكا هو على نحو ما يقول جيسي جاكسون انها «فيسفساء» او سجادة منسوجة من الوان وانماط نسج عديدة. وبينما توجد ثقافة امريكية وقيم امريكية مشتركة فإن هذه الدراسة توضح ان هذه الثقافة والقيم تتعايش مع هويات عرقية بارزة تظل عاملاً مهماً في تشكيل القيم. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي