إذا كانت أمريكا اليوم قد أعلنت تأهبها لفصل جنوب السودان عن شماله، فلا شك أن الاستعمار البريطاني المسئول الأول عن وضع الأساس وخلق المبررات، عندما فرض سياسة المناطق المقفولة على الجنوب في وجه ابناء الشمال، في حين فتح الأبواب على مصارعها لارساليات التبشير الصليبي، وانفرادها بتلقين الجنوبيين الثقافة والمفاهيم المعادية لاشقائهم الذين يعتنقون الاسلام في الشمال، ولا شك أيضا أن أنظمة الحكم العسكري التي وصلت الى سدة السلطة في السودان عبر جنازير الدبابات، كانت المسئول الثاني عن رعاية نبت المشكلة حتى نمت وترعرعت وتفاقمت الى الحد الذي باتت تهدد وحدة الشعب والكيان السياسي السوداني، سواء عبر اعتماد حكم الفريق ابراهيم عبود الذي امتد من عام 1958 حتى عام 1964 سياسة الأرض المحروقة في كبح جماح حركة التمرد، أو انقلاب المشير جعفر نميري على اتفاقية السلام التي وقعها في أديس أبابا مع حركة الانيانيا، عام 1972، وخياره مجددا للمواجهة العسكرية عام 1983، نهاية الطامة الكبرى، حين أضفى نظام الجبهة الاسلامية الراهن الذي يتزعمه المشير عمر البشير منذ عام 1989 صفات القداسة على الحرب الأهلية، وحض عرابه الدكتور حسن الترابي الجماهير العرب المسلمين من ابناء الشمال على الانخراط في تنظيم المقاومة الشعبية والجهاد في سبيل الله ضد الكفرة الملحدين من ابناء الجنوب! والشاهد أن الجيش السوداني ظل يحرص في تبرير انقلاباته العسكرية على اتهام الأحزاب السياسية باخفاقها في حل مشكلة الجنوب سلميا كلما اتيحت لها أن تصل الى السلطة عبر نتائج صناديق الانتخابات النيابية، وانشغالها بخلافاتها وتعزيز مصالحها الضيقة، وتقاعس حكوماتها الديمقراطية عن دعم القوات المسلحة للقيام بدورها في الحفاظ على أمن السودان والدفاع عن وحدته، بينما كانت الأسلحة الحديثة تنهال بوفرة على حركة التمرد من دول ومنظمات غربية مشبوهة، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر اعلان حامية جوبا العصيان عام 1965 بزعامة المقدم فاروق عثمان عبدالله لافتقارها الى أبسط احتياجاتها العسكرية والمعيشية حتى الأحذية، وتم فصله وعدد من زملائه لتجرؤهم على كشف الفضيحة، وبعدها شارك فاروق في انقلاب نميري ثم جرى اعدامه في أعقاب فشل الانقلاب الشيوعي عام 1971، وهكذا ظلت مشكلة الجنوب تراوح مكانها دون أن يخمد لها أوار على ما يزيد على 45 عاما سوى أحد عشر عاما فقط في بدايات حكم نميري، ووصل عدد ضحاياها نحو مليون ونصف مليون قتيل غير المصابين والمعوقين، ونزوح ثلاثة ملايين جنوبي الى الشمال ودول الجوار بعد أن روعتهم ويلات الحرب الأهلية والمجاعات والأمراض غير الاستنزاف المتواصل لخزانة الدولة التي تعاني شح الموارد والديون الخارجية بنحو مليون دولار يوميا مؤخرا، اضافة الى تدهور العلاقات مع اثيوبيا وارتيريا واوغندا بسبب فتح حدودها مع جنوب السودان لتمرير الدعم لحركة التمرد واتهامها أحيانا بالقتال الى جانبها، كرد فعل لايواء السودان ودعمها فصائل المعارضة في هذه الدول! والحقيقة أن الحكومات الديموقراطية التي تعاقبت على السودان، حاولت ايجاد حل لمشكلة الجنوب سلميا، سواء عبر صيغ مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر واتفاقيات كوكادام وأديس ابابا، لكن سرعان ماكانت تدهمها الانقلابات العسكرية المغامرة، وبعدها تندلع الثورة أو الانتفاضة الشعبية وهلم جرا، ومن ثم بات من رابع المستحيلات الآن نجاح أي من المؤتمرات والصيغ والمبادرات الافريقية والعربية في اثناء النظام الراهن في السودان عن الالتزام بمشروعه الاسلامي الحضاري الذي يرنو الى استبقاء العلاقة بين الدين والدولة، بينما يصر العقيد جون قرنق الذي يقود حركة التمرد ومن ورائه أحزاب المعارضة الشمالية على ضرورة وضع دستور علماني جديد يجيز الفصل بين الدين والدولة، خاصة وأن غالبية ابناء الجنوب يعتنقون المسيحية والأديان الافريقية، واذا كان قرنق قد طرح في بداية تمرده حل مشكلة الجنوب في اطار السودان الموحد، ثم قبل بالفيدرالية بين الشمال والجنوب، الا انه تراجع مؤخرا الى الكونفدرالية التي تعني تقسيم السودان الى نظامين، وعلى مايبدو أن الظروف والاجواء والمتغيرات أتت أمامه متاحة وممكنة لفرض الأمر الواقع عبر هذا الخيار، وبينها اكتشاف البترول في المناطق الجنوبية، وتدهور امكانات الجيش السوداني العسكرية واللوجسنية والبشرية، وتفكك وحدة التجمع الوطني الديموقراطي المعارض وهو من أبرز قياداته، مما يؤهله بالتالي للنكوص عن قراراته المصيرية التي توصل لها في جيبوتي، والأهم من ذلك تطابق الموقف الأمريكي مع موقف قرنق حول فصل السودان الى دولتين وشعبين في اطار صيغة فيدرالية، لكن الأخطر في كل ذلك رهان المخطط ولا شك على أكثر من مليوني نازح جنوبي ممن يسمون (أولاد قرنق) ويشكلون حزام الفقر والغبن التاريخي حول العاصمة الخرطوم.. بانتظار الخلاص أو الثأر! السؤال الآن: هل فات الوقت لوقف زحف قوات الحركة الشعبية في مديرية بحر الغزال ايذانا باحتلال مدينة (واو) ايذانا باعلان الدولة الانفصالية في الجنوب، ومنها تزحف الى ولايات الوحدة للسيطرة على منابع البترول حسب سيناريوهات مراكز الدراسات العسكرية والاستراتيجية التي تطالعنا بها الصحافة الغربية؟ لا شك أن مثل هذه التوقعات صحيحة وممكنة ان لم تواجه بالخطط والحشد العسكري من قبل الحكومة السودانية، ومدى كفاءتها وقدراتها بالتالي على الردع والانتقال من وضع الدفاع الى الهجوم، خاصة مع الأخذ في الاعتبار حرص مصر على عدم التورط في النزاع عسكريا بعد الغاء حكومة الصادق اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين من جانب واحد عام 1987، وكون الاقتتال بين الجيش السوداني والحركة الشعبية مجرد نزاع داخلي وليس عدوانا على السودان من الخارج، ومع ذلك يظل وقف اطلاق النار والولوج الى ساحة التفاوض بين مختلف الفرقاء السودانيين حول مستقبل الحكم في السودان الخيار السلمي المأمون، سواء عبر عقد مؤتمر الحوار التفاوضي الشامل الذي تنشده المبادرة المصرية الليبية، وسواء على غرار النجاح المقدر الذي أحرزته اتفاقية الطائف في وضع حد للحرب الأهلية اللبنانية، ويبقى العاجل الآن أن تتكاتف الدول العربية والافريقية للحيلولة دون انفصال جنوب السودان عن شماله، خشية انعكاساتها السلبية على الأمن القومي، وعلى العلاقات العربية الافريقية، وكذا ميثاق منظمة الوحدة الافريقية الذي يكرس الحدود الموروثة عن الاستعمار الأوروبي، بما يعني انتقال عدوى سابقة انفصال جنوب السودان لا قدر الله الى غيرها من دول القارة السوداء التي تعاني نفس المشكلات الاثنية والقبلية والدينية والثقافية! وعلى ما تبدو الشواهد أن مصر استشعرت مسئوليتها الوطنية والقومية لدرء هذه المخاطر، والا ما السبب والغرض من وصول الصادق المهدي الى القاهرة الأسبوع الماضي قادما من جولته الاستطلاعية لموقف الادارة الأمريكية المتعاطف على حد قوله مع وحدة السودان وصناع القرار في الكونجرس الذين يؤيدون فصل الجنوب، وان يتزامن في نفس التوقيت مع وصول محمد عثمان الميرغني الزعيم الاتحادي وجون قرنق قادمين من جيبوتي اثر حضورها اجتماع الهيئة العليا لتجمع المعارضة؟! الا يشي ذلك باحتمال وصول الرئيس البشير كذلك أو من يمثله الى القاهرة في وقت لاحق وربما الأخ العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية و.. عندئذ فقط يمكن الاطمئنان النسبي الى احتمالات التوصل الى حل الأزمة السياسية في السودان بالتراضي والوفاق، عبر التنازلات المتبادلة ورعاية حقوق ومصالح ابناء السودان في الشمال والجنوب مما قد يتيح الاجواء الملائمة لتغليب كفة مواجهة التناقض الرئيسي مع مخطط تفتيت السودان، على كفة التناقضات الثانوية بين الفرقاء السودانيين حول المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، فهل تصدق التوقعات أو التمنيات؟.. لا شك أن الأيام القليلة حبلى بالمتغيرات والمفاجآت وعلينا إذن الانتظار وتأجيل الأحكام! ـ كاتب مصري