طفلته البالغة من العمر تسع سنوات ما كانت تستطيع عد الارقام من واحد الى عشرة بلغة واحدة. كانت تبدأ عملية العد باللغة العربية لغتها الام ـ ثم سرعان ما تنزلق ، الى الانجليزية لغة المدرسة في العاصمة اليوغندية كمبالا التي انتقل اليها والدها كدبلوماسي بسفارة دولته العربية. ولان الاسرة كانت قبل ذلك تقيم في نيودلهي ثلاث سنوات فان الطفلة كانت تنطق بعض الارقام باللغة الهندستانية. وبعد ان امتدت اقامة الاسرة في يوغندا لنحو عام صارت الطفلة تنطق ارقاما باللغة السواحلية. استذكرت قصة صديقي الدبلوماسي العربي هذا وانا اطالع في صحيفة قبل بضعة ايام خبرا عن اضراب الدبلوماسيين بوزارة الخارجية اليونانية وبعثاتها الدبلوماسية في عواصم الدنيا... مطالبين بزيادات في الرواتب. واذا كان بعض الناس يستغربون لجوء الدبلوماسيين في اي مكان او زمان الى الاضراب والمطالبة برفع الاجور... بل ويستنكرون هذا المسلك على اساس ان الدبلوماسيين فئة مرفهة فان عليهم ان يحاولوا تصويب انطباعهم عن هذه المهنة وممارسيها واسرهم. فالمهنة الدبلوماسية، مثل اي مهنة اخرى، لها سلبياتها. اقول هذا لا كمشاهد مهتم من الخارج وانما كشخص عاش التجربة. فقبل المهنة الصحفية مارست المهنة الدبلوماسية. ان نموذج طفلة صديقي الدبلوماسي العربي وخلطها بين لغات مختلفة مع عجزها عن اتقان لغتها العربية الام ليس سوى واحد مما لا يحصى من التأثير السلبي للعمل في المهنة الدبلوماسية على اسرة الدبلوماسي ـ وعليه شخصياً ايضاً. وخاصة الاطفال. ان الدبلوماسية مهنة رفيعة دون شك. وبالاضافة الى انها تتيح لصاحبها عبر احتراف الاسفار والاقامة في مختلف البلدان والاحتكاك بثقافات متنوعة توسيع مداركه وتنويع معارفه من مختلف الجنسيات والمشارب فانها ايضاً تنطوي على ميزات مادية جيدة من حيث الراتب والمخصصات والاعفاءات الخ. لكن لكل ذلك ثمن... وهو في تقديري الشخصي ثمن فادح قد لا يكون مرئياً في بداية المشوار المهني عندما يكون الدبلوماسي شاباً مندفعا بحماسة الفتوة الشبابية. ولكن مع تقدم العمر يكتشف الدبلوماسي التأثيرات السالبة بعد فوات الاوان. مع طول الغياب خارج الوطن تتفكك علاقات الدبلوماسي مع ذوي قرباه واصدقائه في الداخل. وينعكس هذا التفكك على اولاده فلا يكادون يعرفون حتى خالاتهم وعماتهم وابناء اعمامهم وابناء اخوالهم. ومما يعزز الشعور بعدم الانتماء لدى اولاد الدبلوماسي وبناته تأثر شخصياتهم بثقافات اجنبية يكتسبون منها عادات قد تكون في الوقت نفسه ضارة. واذا لم يصب الدبلوماسي او اولاده وبناته باعتلالات جسدية غريبة بسبب التنقل بين بيئات مناخية متضارية ما بين منتهى الحر الى منتهى البرد، فان الاطفال معرضون دائماً للاصابة بعلل نفسية نتيجة لتناقضات القيم بين ثقافات متضادة. واعود الى قصة صديقي الدبلوماسي العربي وطفلته... فان لها جانبا آخر. في الهند ويوغندا ظلت الطفلة تتلقى تعليمها المدرسي على النظام الانجليزي. ولكن بعد ثلاث سنوات في كمبالا نقل صديقي الى دولة افريقية فرانكو فونيه لم يكن يتوافر فيها الا نظام التعليم على الطريقة الفرنسية. لذا اجد نفسي متعاطفا مع مطلب الدبلوماسيين اليونانيين. فالتعويض المادي هو الحد الادني الذي يجب ان يناله الدبلوماسي المحترف لموازاة الثمن الفادح الذي يدفعه... ومعه اسرته.