يترقب أنصار التسوية بشكل دائم أي حدث يقع داخل إسرائيل يخدم وجهة نظرهم للتأكيد على أن إسرائيل تريد السلام، وأن هناك جناحين داخل السلطة الاسرائيلية هما جناح الحمائم وجناح الصقور، وأن هناك خلافا كبيرا بين الجناحين في رؤيتهما للتسوية والحق العربي، ورغم أن زعيم حزب العمل الاسرائيلي شيمون بيريز هو حليف استراتيجي الآن لزعيم الليكود الإرهابي أرييل شارون في حكومة «وحدة وطنية» اسرائيلية هي في الحقيقة حكومة حرب تدمر الأخضر واليابس على الأرض الفلسطينية منذ ثمانية أشهر، إلا أننا فوجئنا بمحاولة يائسة في الأسبوع الماضي من أنصار التسوية يسعون من خلالها للتأكيد على وجود أزمة بين كلا الحليفين شارون وبيريز، وأن بيريز يختلف مع شارون في معالجته للأزمة متناسين آخر أكاذيب بيريز أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة. بل أن مسئولية بيريز عن الجرائم التي يرتكبها شارون وشراكته له فيه اعترف بها بيريز بنفسه في حوار نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الاسرائيلية في الخامس والعشرين مايو الماضي، حيث قال بيريز مانصه «أنا أرى نفسي شريكا بالمسئولية عن كل القرارات». وكان يجيب بذلك عن سؤال وجهته له الصحفية الاسرائيلية سيماكد مون حول موقفه من قرار شارون بالهجوم بالدبابات والطائرات على القرى والمدن الفلسطينية في الضفة وغزة، بل إن بيريز عاد وأكد في وضوح تام حينما كررت عليه الصحفية السؤال ثم زاد وفصل فقال: «أنا شريك بالمسئولية عن كل شيء، والمعضلات المحيرة ليست بالبسيطة، كان بالإمكان الضرب من الأرض أيضا، ولكن كانت ستسقط عشرات الضحايا في هذه الحالة. ماذا يريدون أن نفعل؟ هناك خبراء في الاستراتيجية، إنهم يقولون لاحاجة لاستخدام اف 16، حسنا ولكننا استخدمنا الدبابات والمروحيات سابقا، شارون ملزم بإعطاء رد للشعب ولا خيار أمامه، ولكن بيريز لم يقف عند حد الوصف الكامل والتبرير الواضح والاقرار بالشراكة الكاملة لشارون في جرائمه ضد الفلسطينيين، وإنما أكد في نفس الحوار على قناعته التامة ورضاه بما يقوم به فقال: «أنا أعمل في ظروف مستحيلة، ماذا كنت سأفعل في المعارضة، إلقاء الخطابات، عندها كنت سأهاجم الحكومة، ولكن ماذا كان ذلك سيفعل لمساعدتي؟. ثم يقول باطمئنان «أنا راض.. أنا ضميري مرتاح». أعتقد أن هذا الإقرار التام من شيمون بيريز بشراكته الكاملة لكل ما يقوم به شارون من جرائم كفيل بأن يزيل الأوهام عن بعض المتوهمين بأن الرجل حمامة سلام، متغافلين أو متجاهلين بأن حياته كلها حافلة بالإرهاب والجرائم شأنه شأن باقي الإرهابيين الاسرائيليين بل ربما يتفوق عليهم، ويكفي أن تحالفه الحالي مع شارون جعل شارون يحصل على أعلى نسبة تأييد شعبية في إسرائيل لم يعرف مثلها أسلافه وذلك حسب وصف «يديعوت أحرونوت» حيث حصل على تأييد 66% من الاسرائيليين لما يقوم به بشراكة بيريز له في الجرائم الرهيبة التي يرتكبها ليل نهار وبدم بارد ضد الفلسطينيين. ولد شيمون بيريز في بولندا عام 1923 وهاجر إلى فلسطين مع عائلته عام 1933 وفي العام 1941 التحق بيريز بالعصابة السرية العسكرية اليهودية المسماة «بالهاجاناه» وشارك مع رابين وشارون وبيجن وعشرات من مجرمي الحرب الصهاينة في الأعمال الوحشية التي ارتكبتها «الهاجاناه» ضد العرب في هذه المرحلة، حتى أن نشاطه أثار اهتمام بن جوريون الذي أصبح رئيس وزراء اسرائيل فيما بعد وأحد أساتذة بيريز الذي قال بيريز عنه «أستاذي كان ديفيد بن جوريون» وفي ظل رعاية بن جوريون له عمل بيريز في وزارة الحرب الاسرائيلية وشارك ضد العرب في حرب العام 1948 وقد رقي سريعا حتى أصبح عام 1954 وكيلا لوزارة الدفاع ولم يكن عمره قد تجاوز الثانية والثلاثين، ولعب دورا بارزا بل إنه كان العقل المدبر مع بنيامين جبلى رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية في سلسلة التفجيرات التي استهدفت مصالح أمريكية وغربية في مصر عام أربعة وخمسين بهدف إثبات عجز الحكومة المصرية عن حماية البعثات الأجنبية على أراضيها وعرفت آنذاك بعد فضحها واكتشافها باسم «فضيحة لافون» الذي كان وزيرا للدفاع، واضطر لافون لتقديم استقالته في فبراير عام خمسة وخمسين ثمنا للجريمة التي ارتكبها في الأصل شيمون بيريز. بعد ذلك بدأ بيريز أخطر مراحل عمله في وزارة الدفاع الاسرائيلية وكان المخطط والمنفذ الرئيسي لإنشاء أول مفاعل نووي اسرائيلي، حيث دخلت اسرائيل بعد ذلك النادي النووي وامتلكت القنبلة الذرية التي تعتبر أهم شيء في معادلة الاختلال في القوى بين العرب واسرائيل. وهذا ماسوف نعرف تفاصيله مع باقي الحياة الحافلة بالإرهاب والإجرام لبيريز في الأسبوع المقبل إن شاء الله. ـ كاتب واعلامي مصري