بالفعل هو سيناريو سينمائي تتداعى مشاهده على شاشة الاوضاع في المنطقة العربية، كما قال امين عام الجامعة العربية عمرو موسى في مقابلته التلفزيونية، وهذا السيناريو لا يسير على خطى المدرسة الواقعية في الاخراج والتصوير امام عين المشاهد العربي المستهدف، بقدر ما يسير على خطى السريالية ومدرسة العبث، والتي هي مرتبة اصلا ولا تنبع من فوضى. والمشهد الذي يقف عنده هذا المشاهد اليوم، يبدأ بمواطن عالق في مطار وطنه منذ عشرة ايام وازمة بين بلد عربي وبلد عربي تصل الى مستوى احتجاز الافراد والاملاك، هذا في ظاهر بداية المشهد وفي نهايته هناك بالتأكيد من يلعب خلف الستار و"البلاتوهات" لتحريك بقية الامور الفنية من تقنيات وحوارات ومؤثرات. والمشهد الذي يليه في بلد عربي اخر يطوف رئيسه فيه الشوارع حاملا حمامة سلام بيضاء فيما شعبه وافراد جنوده يغلي في صدورهم ماء الانتقام ، ومشهد مفاجيء على طريقة المخرج الشهير سبيلبيرج في مياه الخليج ترفع فيه آلة الحرب من فوق ظهور البوارج انوفها استعدادا للاطلاق، ويهرع فيه الجنود والطيارون في حركة " اكشن" لان هناك تهديدا جاء من الفضاء لا تعرف هويته، لكن من جاء به يؤكد صحته، تتوتر مياه البحر، وترتجف الشمس بردا في هجير الصيف. وتتواصل المشاهد الصاعقة، شيء منها يتكرر الف مرة في اجزاء من الثانية، وشيء منها رتيب يقتل الايقاع فيه الجوعى والمنتظرين لضمادة ميكركروم لجرح ينزف بالصديد، تتبلور لعبة السيناريو فجأة في بلد اخر تشتعل بؤرة كانت باردة بين طائفة وطائفة، وفجأة يتبدل الحال، صدام حدودي، صدام بين مدرعات ومقاتلين من بلد واحد، هناك انفصاليون، وهناك مناضلون. جلسات لعساكر امن يكرهون بعضهم البعض. واخرون يتفقون من اجل تصفية اخرين. عواصم ترقص ويتعرى فيها الترف والسعادة الزائفة، وعواصم ترتجف من اضطراب الدولار، وبين مشاهد الفيلم السينمائي يلعب وزراء الخارجية لعبة الاختفاء والظهور، واخرون يفضلون طريقة الببغاوات. فيما وزراء الدفاع هم الاكثر دفاعا عن صمتهم وجملهم الموسمية المراسمية المعهودة. من انت حتى تستوعب هذه المشاهد وتقرأ تفاصيلها دفعة واحدة؟ تسأل نفسك، لا تجيبك سوى المشاهد الاكثر واقعية، مشاهد جثث الابرياء، والمغدورين منهم، ومشاهد الحناجر التي تصدح بالزور وجمع غفير من البسطاء يصفق لها في طابور طويل. ايام الاستعمار المتعارف عليه، تصبح اللعبة مرتكزة على تحريك الدمى، وايامنا هذه التي نشهد من خلالها الاستعمار الحديث ترتكز اللعبة على تقنية المونتاج التي تسرع من تدافع المشاهد فلا تملك انت وقتا لقراءة كامل اللقطة. لهذا تذبح الاشياء امامك دون ان تشعر بها.