القديم فيها هو الجديد.. والمجهول منها هو المعلوم.. والمستور فيها هو المكشوف، ذلك ما توحي به قصة أميرة شرقية تعيش في المنفى الذي أرسلت إليه غير مختارة منذ أن غادرت بلدها وهي في التاسعة من عمرها. اثنان وعشرون عاماً من الغربة لم تغادر خلالها مخيلتها صورة قصر «نيافاران» حيث عاشت طفولتها، ولم تفارق أذنها أنغام الموسيقى الفارسية، ولم تستطب إلا الطعام الفارسي، ولم تعشق عيناها سوى نقوش السجاد الفارسي وخيوطه. وظلت الأميرة الايرانية ليلى الابنة الصغرى لامبراطور إيران الراحل محمد رضا بهلوي تحيط نفسها بتلك الأجواء التي لم يتح لها القدر أن تعيشها كما تحب حتى توفيت قبل أيام في أحد فنادق العاصمة البريطانية عن واحد وثلاثين عاما. ثمة فصول معروفة من قصة الرحيل عن وطن كانت الأسرة فيه ملء السمع والبصر تتربع على قمة السلطة في نظام امبراطوري لم يتوقع أشدّ أعدائه تفاؤلاً أن يتهاوى بهذه السرعة وعلى النحو الذي شاهده العالم، عندما اضطرت الأسرة الامبراطورية الشهيرة الى مغادرة التراب الذي بنت عليه مجدها وقوتها بعد أن قلب لها الدهر ظهر المجنّ قبل ان ينقلب عليها الشارع الايراني الذي طالما هتف بحياتها، في أكبر ثورة شعبية يشهدها القرن العشرون على أقوى نظام ملكي اتفق الاعداء والاصدقاء على قوة قبضته ولم يداخل الشك أحداً في سيطرته على زمام الأمور في بلده، وهيمنته على الاقليم الذي يقع في دائرته، حتى كانت تلك الليلة التي رأت فيها الأسرة أسوأ كابوس في حياتها لتستفيق صبيحة السادس عشر من يناير عام 1979 مذهولة وهي تغادر أرض الوطن للمرة الأخيرة مرغمة، وتكتشف أن أقدامها لم تكن ثابتة على ذلك التراب بعد أن اختارت لنفسها ان تعيش في برج عاجي، وتركت بينها وبين الأرض ـ حيث جموع الشعب التي أجبرتها على الرحيل ـ فراغاً كبيراً وهوة واسعة كان الأوان قد فات فلم يعد بالإمكان ردمها. كيف عاشت الأميرة الصغيرة في المنفى بعد وفاة أبيها ـ الذي كانت الأثيرة لديه ـ بعد عام من المنفى، وقد بقيت الى جانبه في مصر حتى النهاية في الوقت الذي توزع فيه أخوتها بين الولايات المتحدة وفرنسا؟ وأي مشاعر يمكن أن تختلج في نفس أميرة شابة تجد نفسها وهي على مشارف الصبا مطرودة من بلدها، محرومة من حنان الأب، مطالبة بأن تغير نهج الحياة التي كان مخططاً لها ان تعيشها، وأن تتأقلم مع واقع جديد النظرة إليها فيه مجردة من هالة السلطة التي كانت تحيط بها، والناس حيالها إما حافظ للود متأسٍ على ما أصابها متعاطف معها، أو شامت مبدٍ للشماتة أو مخفٍ لها؟! بين الغربة والحنين إلى الوطن عاشت الأميرة تجمع كل ما يذكِّرها به، وتتابع أخباره، وتحلم باليوم الذي تعود إليه فيه حتى فكرت بأن تقوم بزيارة سرية عبر الحدود الباكستانية لولا أن نجح عدد من أفراد أسرتها والأصدقاء في إقناعها بالعدول عن الفكرة لخطورتها. وأخيراً استقر بها المقام في مقبرة «باسي» في باريس حيث «لم تشهد المقبرة كل هذا الكم من الورود من قبل، وستكون مراسم الدفن هي الأبهى من نوعها لأجمل الأميرات في تاريخ المقبرة» كما قال جان كلود كولنوت الموظف في المجلس البلدي بباريس قبل يوم من دفن الأميرة. ولباريس مع الأميرات موعد وحكاية تتجدد بطلاتها، فهي التي شهدت قبل أربع سنوات موت أميرة القرن ديانا في حادث النفق الشهير. وفي باريس أيضاً قبل ستين عاما وجد الخصيّ التركي ذو الأصل الألباني «زينيل» الذي عاش في بلاط السلطانة العثمانية خديجة، وجد نفسه بعد ظهيرة ذات يوم يمشي خلف عربة موتى يشدها حصان هزيل حمّلها الرجال الذين رافقوها صندوقاً خشبياً أبيض وأشاروا عليه بأن يتبعهم. «ولكن كم من الوقت مشى وراء سلمى؟ لقد كان المطر المثلج، مطر كانون الثاني/ يناير يتسرب الى ما تحت ثيابه، ولم يكن يشعر بذلك، وكان يتذكر النزهات الطويلة التي كانا يقومان بها، كما يتذكر بسمتها المداعبة، عندما كانت تطلب منه أن يعدها بأن يكون معها حتى نهاية العالم. وأخيراً وصلوا إلى أرض ضخمة غامضة مقلقة بجدرانها المهلهلة، وعلى مدى النظر، كانت هنالك صفوف من الشواهد تبرز من العشب، وكانت هذه هي المقبرة الإسلامية مقبرة «بوبينيي» ولم يستطع زينيل أن يكبت شهقة بكاء عندما فكر بالمقابر الحلوة التي تشرف على البوسفور، والتي كانت سلمى تحب النزهة فيها». «وعندما انتهى رجال المقبرة من عملهم كان الظلام قد حل تقريباً. أما صاحب العربة فقد غادر المكان منذ مدة طويلة وبقي زينيل وحده في المقبرة بين آلاف القبور، أو قل بقي وحده مع سلمى. وكان يفكر وهو أمام هذا المربع من التراب المطروف بالأبوابد الرخامية الفخمة التي كانت تستمر قرناً بعد قرن في استامبول في التذكير بأمجاد السلطانات العظيمات فيرتعد.. ومن يستطيع أن يحزر أن أميرته تنام في هذا القبر المسكين؟ بل من سيتذكر؟». وبعد ليلة قضاها بجانب قبر السلطانة الشابة التي ماتت عن ثلاثين عاما ـ يستعيد ذكريات أيام استامبول «استيقظ زينيل بضربة خفيفة على كتفه، فقد كان النهار على وشك ان يطلع، وكان فوقه رجل ينظر إليه بفضول.. ـ يجب ألا تبقى هنا لأن المرض سيصيبك من جراء ذلك. وساعده على النهوض وعلى نفض التراب الذي يلوّث ثيابه، وقاده بيده وهو يرتجف من البرد إلى الغريفة التي يضعون فيها أدوات الحفر في مدخل المقبرة، وهناك سقاه قدحاً كبيراً من القهوة الساخنة، وكان يسمى «علي» وهو حارس المقبرة، وجلس بجانبه كأنما هو متضامن معه على الضراء». وبعد حوار يكتشف خلاله حارس المقبرة أن زينيل لم يأكل منذ ثلاثة أيام وأنه حزين لأنه لم يضع شاهداً على قبر سلمى يقول له: ـ خذ وكل، ثم إن العامل الذي يصنع الرخام صديقي وفي وسعه أن يعطيك رخامة صغيرة بثمن رخيص. وهكذا سحب زينيل بعناء ساعته من جيب صدرته. كان هذا كل ما بقي له من أيام العظمة في أورطاكوي، وكان قد احتفظ بها لليوم الذي لا يبقى معه شيء.. أما الآن.. ـ ليس عندي غير هذا. أفيقبل؟ ـ احتفظ بساعتك، ستكون بحاجة إليها فيما بعد، ولا تنزعج فأنا سأتولى شأن الشاهد، يجب أن يتساعد المسلمون فيما بينهم. وعلى الرغم من احتجاجات زينيل فانه خرج وبعد لحظات عاد وهو يحمل قطعة حجر صغيرة بيضاء قطعت على شكل قوس، ونقش عليها بتعليمات من الخصيّ وبأحرف عرجاء. سلمى 13/4/1911 ـ 13/1/1941 كانت تلك مقاطع من (حياة أميرة عثمانية في المنفى) كما دونتها «كينيز مراد» ابنة سلمى حفيدة السلطان العثماني مراد الخامس الذي خُلِعَ وحُجِزَتْ حريته بأمر من أخيه السلطان عبدالحميد الذي أُطيح به هو الآخر على يد من سمّوا بجمعية «تركيا الفتاة» وأُحِلَّ محله السلطان رشاد. تقول «كينيز مراد» في نهاية الكتاب الذي يقع في 758 صفحة في ترجمته العربية: «وفيما بعد، وبصورة متأخرة جداً، أردت أن أفهم أمي، فسألت اولئك الذين عرفوها، وقرأت كتب التاريخ وصحف ذلك الزمان، والوثائق المبعثرة المتصلة بالأسرة، ووقفت طويلاً في الأماكن التي عاشت فيها، وجربت أن أعيد تركيب مختلف أطر وجودها التي انقلبت اليوم انقلاباً لا سبيل إلى معرفة أصله، وأن أحيا من جديد ما كانت قد عاشته هي نفسها. وأخيراً، وحباً بالتقرب منها بدرحة أكبر، طمعاً بأن أعود فأجدها كما هي، تركت لحدسي وخيالي أن يرمما الثغرات التي لم تُعِن الوثائق على ملئها». ترى.. هل تجد ليلى بهلوي من يرمم لها الثغرات ويجيب عن التساؤلات الكثيرة التي تركها موتها المفاجيء؟ ربما.. فلننتظر إذن كتاباً عن «موت أميرة.. في المنفى».