ما معنى زيارة وزير الخارجية الامريكي كولين باول الى المنطقة بينما الولايات المتحدة ليس لديها أي خطة لحل مصيري ونهائي يمكن ان يضع نهاية للصراع العربي الاسرائيلي؟ كانت الزيارة الاولى للوزير الامريكي في فبراير. ثم جاء بعده مساعده وليام بيرنز بعد ان عين مبعوثا خاصا امريكيا الى الشرق الاوسط. وبعد بيرنز جاء مدير وكالة الاستخبارات الامريكية جورج تينيت. وطوال الشهور الاربعة التي جرت خلالها هذه الزيارات بالاضافة الى الزيارة الثانية لوزير الخارجية لم تتقدم الولايات المتحدة بأي اقتراح ذي طبيعة سياسية، مكتفية باقتراح اجراءات امنية صرفة هدفها المعلن ضمنا هو تصفية المقاومة الفلسطينية لتكون الدولة الاسرائيلية في حال امن وأمان بينما تبقى قضايا المصير الفلسطيني معلقة لأجل غير مسمى. لقد وضع مدير وكالة الاستخبارات خطة امنية اطلق عليها «خطة تينيت» رسمت بنودها كلها من منظور ان المقاومة الشعبية الفلسطينية بكل اشكالها ووسائلها بما في ذلك الرمي بالحجارة والحصا ضرب من الارهاب ليس الا. ولهذا فإن «تثبيت وقف اطلاق النار» كمرتكز اساسي لبنود الخطة الامريكية يعنى ان تلقي فصائل المقاومة الفلسطينية اسلحتها بينما تظل القوات الاسرائيلية النظامية ومعها قطعان المستوطنين مسلحة حتى الاسنان. ويأتي الان كولين باول في زيارته الثانية لا ليقدم حلا سياسيا بصفته الدبلوماسي الاول للولايات المتحدة، وانما ليؤكد على حصر القضية داخل الاطار الأمني. وهذا مما يلائم اسرائيل تماما تحت قيادتها الشارونية الراهنة. فرئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون ايضا ليس لديه خطة سلام لمعالجة القضايا المصيرية. وليس هذا استنتاجا او تكهنا. فقد اعلن شارون مرات عديدة قبل ان يتولى السلطة وبعد ان تولاها ان هدفه الاستراتيجي الاوحد ليس التوصل الى اتفاق سلام نهائي مع الطرف الفلسطيني وانما التوصل الى «ترتيبات امنية بعيدة المدى»... فماذا يعنى ذلك؟ يعنى ببساطة ان يبقى الشعب الفلسطيني تحت حالة الاحتلال الاسرائيلي لأجل غير مسمى.. ربما عشر سنوات او خمس عشرة سنة. هذه الفترة المرحلية يعتبرها شارون «فترة هدوء».. اي استسلام فلسطيني كامل بعد ان يقبل الفلسطينيون بتصفية انتفاضتهم. لكن شارون يحرص على عدم التطرق الى الهدف من وراء الهدف. غير ان الاستنتاج ليس صعبا او بعيدا. فما يهدف اليه شارون هو استثمار «فترة الهدوء» لينفذ أجندة على الارض تجعل التفاوض فيما بعد على «قضايا الوضع النهائي» بلا معنى. وفي هذه الاجندة استكمال تهويد القدس واقتطاع شريط حدودي بين ارض الضفة والخط الحدودي مع الاردن واستكمال السيطرة الاسرائيلية على مصادر المياه في الاراضي الفلسطينية. هنا تتضح طبيعة الدور الامريكي. فالولايات المتحدة تسعى الى «اقناع» الجانب الفلسطيني بحصر القضية داخل الاطار الامني حتى تساعد القيادة الاسرائيلية في وضع نهاية للانتفاضة الوطنية الفلسطينية تمهيدا لاحلال «فترة الهدوء» المطلوبة اسرائيليا. ولا أدري لماذا تستقبل القيادة الفلسطينية وزير الخارجية الامريكي في حين ان رئيسه يرفض مقابلة الرئيس عرفات بينما يستقبل رئيس حكومة اسرائيل مرتين.. وماذا تقول القيادة الفلسطينية لزائر يطالب شعبها بالانتحار؟!