ليس ثمة مجال للمقارنة بين حجم الصين وحجم تايوان، فالاولى يبلغ عدد سكانها 1.268 مليار نسمة ـ بحسب آخر الاحصاءات المسجلة ـ بينما يقل عدد سكان الثانية عن 22 مليوناً ولا تزيد مساحتها الجغرافية على 35980 كيلومتراً مربعاً اي ان الاولى تفوقها بما تتجاوز نسبته 50 مرة. بيد أن ارقام المقارنة الاقتصادية تحمل مؤشرات اكثر اهمية اذ بينما يبلغ الناتج القومي الاجمالي لتايوان 374 مليار دولار سنويا، تسجل ارقام الناتج القومي الصيني 3846 مليار دولار، اي بزيادة عشرة اضعاف فقط، كذلك الحال بالنسبة للدخل الفردي السنوي، ففي تايوان يبلغ الدخل الفردي 19870 دولاراً، وهو احد اعلى الارقام في العالم، بينما يبلغ في الصين 3105 دولارات، وقد تطور دخل تايوان، على مدى العقود الماضية، بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 12 في المئة و8 في المئة، وهو ما جعلها الدولة الاكثر نمواً في العالم، واذا كانت تايوان تعتبر «الصين الثانية»، بحسب التصنيفات الغربية، فإن ثمة «صينا ثالثة» تتمثل في اربعين مليوناً من الصينيين المنتشرين في العالم، ومعظمهم في الولايات المتحدة، حيث يشكلون قوة اقتصادية ذات شأن من خلال استثماراتهم الكبيرة والمصالح والمؤسسات التي يديرونها بكفاءة عالية. من الديكتاتورية الى الديمقراطية تقابل جزيرة تايوان «عاصمتها تايبيه» البر الصيني، وهي في ذلك مثل جزيرة كورسكا بالنسبة لفرنسا، ومنذ وفاة مؤسسها شان كاي تشك في اوائل الثمانينات، ثم خلفه ابنه لعدة سنوات، تعاقب على الحكم رئيسان آخران، وقد بدأت ايديولوجية الحزب القومي الحاكم «كيومنتانج» تتآكل مع الوقت بسبب تشنجها من جهة، والنظام الديكتاتوري الذي افرزته من جهة اخرى، واستقر الحكم في عهد الرئيس الحالي «الرابع» شين شوي ـ بيان، الذي انتخب بتاريخ 18 مارس 2000، على اساس برلماني ديمقراطي. وتشكل مسألة العلاقة مع الصين: الاستقلال عنها او اعادة الارتباط بها، المحور الاساسي للصراع السياسي الداخلي الذي يدور بين قوتين، الديمقراطيين والوحدويين. فبينما تدعو القوة الاولى الى الاحتفاظ بالوضع الراهن للجزيرة: استقلال الامر الواقع عن الصين، تطالب القوة الثانية بالعودة الى الاندماج مع الوطن الأم، وهو ما يتطابق مع الموقف الصيني الرسمي الذي يعتبر الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من الاراضي الصينية. وفي الواقع فإن هذا الخيار المصيري كان قد تقرر بنتيجة الانتخابات العامة التي اجريت في تايوان ديسمبر 1991، وللمرة الاولى منذ عام 1949، حين رفضت غالبية الناخبين التايوانيين اعتماد اية خطوة قانونية او دستورية في اتجاه اعلان الاستقلال النهائي عن بكين، وايا تكن الدوافع الحقيقية لهذا الخيار، فإن بكين، التي تتقبل على مضض استمرار الامر الواقع الراهن بسبب عجزها عن تغييره بالقوة، تعتبر مسألة اعلان الاستقلال رسميا خطاً احمر لا يمكن السماح بتجاوزه. واذا ما حدث ذلك فعلاً فإنها ستغزو الجزيرة وتستعيدها بالقوة ايا تكن النتائج المترتبة على ذلك. وقد استطاعت تايوان ان تكون مع هونج كونج وكوريا الجنوبية وسنغافورة ما اصبح يعرف بـ «النمور الاسيوية» بعدما حققت كل منها قفزة اقتصادية هائلة وغدت نموذجا اقتصادياً يحتذى في العالم كله، بيد ان تايوان تعتبر الاقوى اقتصادياً على المستوى العالمي، اذا ما قورن ناتجها القومي الاجمالي مع عدد سكانها وظروفها السياسية، كما انها تأتي بعد اليابان من حيث الاحتياطي المالي الذي تملكه. وكذا الحال بالنسبة لقوتها العسكرية المتفوقة، اذ تملك جيشاً حديثاً مزوداً بأكثر الاسلحة الامريكية والغربية تطوراً. على ان المفارقة البارزة في هذا الوضع التايواني «الخاص» هي ان الجزيرة «المتمردة» تقيم علاقات اقتصادية قديمة جداً مع «الدولة الأم» اذ بدأت توظف اموالها الفائضة في الصين برغم، حالة الانفصال السياسي والتوتر المستمرين بين الجانبين. وقد سجلت ارقام التبادل التجاري بين الطرفين 7.7 مليارات دولار، حيث استوردت تايبيه من بكين ما قيمته 1.6 مليار دولار، اما الاستثمارات التي يوظفها رجال الاعمال التايوانيين في الصين فقد ارتفعت ارقامها من 394 مليون دولار مطلع التسعينيات الى ما يقرب من اربعين مليار دولار حالياً. وعلى ذلك، فإن هذا الوضع الذي يشبه الوضع الذي كان سائداً بين مستعمرة هونج كونج «قبل استعادتها عام 1997» والصين، يشير الى ان الجزيرة «المتمردة» مرتبطة ارتباطاً اقتصادياً قوياَ بـ «امها» الصين، وان الطرفين يحققان فوائد اقتصادية كبيرة عن طريق هذه العلاقة التي يتضاعف نموها ومردودها سنة بعد اخرى. لكن من غير الممكن البناء على العامل الاقتصادي وحده للاستنتاج بأن المشكلة ربما تحل تدريجيا، مع الزمن من خلال تنامي العلاقات الاقتصادية بين الطرفين وتحولها الى حاجة مشتركة بينهما يتعذر اسقاطها او تجاوزها. قوة عسكرية متفوقة والحال، فإن الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 22 مليون نسمة، تملك قوة عسكرية تستطيع ان تواجه القوة الصينية، بل تعتبر ـ وفقا لتقديرات الخبراء المختصين ـ متفوقة عليها وذلك بفضل الاسلحة الحديثة المتطورة، الامريكية خصوصا والغربية عموماً، التي تضيفها الى ترسانتها الضخمة باستمرار. يتراوح عدد افراد الجيش النظامي التايواني ما بين 370 و350 الفاً، بينما يصل عدد الاحتياط الى 1.657.500 فرد. ويرتكز الدفاع التايواني على ثلاث قواعد رئيسية: 1 ـ سلاح البحرية الذي يضم عدداً من المدمرات والفرقاطات والبوارج والغواصات وكاسحات الالغام، بالاضافة الى انظمة متعددة من الاسلحة والمعدات البرمائية التي تحتاجها تايوان باعتبارها جزيرة معزولة وفي مواجهتها البر الصيني والقوة الصينية الهائلة. ويبلغ عدد القوة البحرية التايوانية 62 الف فرد نصفهم يشكل قوات المارينز «30 الفاً». 2 ـ السلاح الجوي «90 الف فرد» الذي يضم نحو 570 طائرة متعددة الطرازات والمهمات، منها طائرات «اف 15» و«اف 16» و«اف 18»، وميراج 2000 ـ 5، بالاضافة اكثر من 100 هليكوبتر مسلحة هجومية. 3 ـ الدفاع الجوي، الذي يضم مجموعة كبيرة من انظمة الصواريخ الحديثة المضادة للطائرات والصواريخ وقد اضيف نظام باتريوت الامريكي قبل عدة سنوات الى انظمة عديدة اخرى قبل صواريخ هوك، مافريك، فالكون، سايدوندر، هاترا، هاربون.. الخ.اما الدفاعات الساحلية فهي تضم بالاضافة الى الصواريخ ارض ـ بحر انظمة متعددة من المدافع بعيدة المدى. ويملك الجيش التايواني عدداً كبيراً من انظمة الرادار الحديثة، وذلك لمراقبة اية تحركات تحدث على البر الصيني وفي المناطق البحرية المحيطة بالجزيرة، بما يجعل القوات التايوانية ذات جاهزية دائمة لمواجهة اي غزو محتمل. وخلال عقد التسعينيات بوجه خاص، استطاعت تايوان ابرام عدد من صفقات التسلح الرئيسية حصلت بموجبها على انظمة مختلفة من الاسلحة الحديثة التي تسعى الى امتلاكها، بما يعزز استراتيجيتها الرامية الى التفوق على القوة الصينية المواجهة، سواء من خلال الكمية او النوعية، وضمت تلك الصفقات التي مازال تنفيذ البعض منها مستمراً حتى الآن، طائرات حديثة متطورة ومروحيات وصواريخ ورادارات وقطع بحرية ذات مهمات متعددة. وبموجب هذه الصفقات، التي عقد معظمها مع الولايات المتحدة، اعادت تايوان تسليح طيرانها واسطولها البحري بالكامل بانظمة حديثة تتفوق بمراحل على مثيلاتها الصينية. وكانت تايوان قد انفقت في عام 1997 وحده 9.7 مليار دولار لتصبح بذلك ثاني اكبر مستورد للسلاح في العالم، وفي العام التالي، أي عام 1998، تصدرت تايوان الترتيب العالمي بإنفاقها 4.6 مليار دولار على شراء السلاح. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية أبلغت الكونجرس في أوائل 2000 أنها أعطت الضوء الأخضر لصفقة تبيع بموجبها تايوان أنظمة «هوك» الدفاعية الجوية الحديثة ومعدات لتحديث رادار للمراقبة الجوية. الصفقة الأمريكية الجديدة مع تصاعد أزمة طائرة التجسس الأمريكية التي وقعت مطلع ابريل الماضي وتوجه واشنطن لممارسة مزيد من الضغط على بكين أعلنت الادارة الأمريكية قرارها بتنفيذ صفقة أسلحة جديدة مع تايوان، بعدما كانت الادارة الأمريكية السابقة أرجأت هذا القرار أكثر من مرة تجنباً لتأزيم علاقاتها مع الصين، وكان مسئول في البيت الأبيض أعلن ان الرئيس جورج بوش أعطى موافقته على «لائحة طويلة» من الأسلحة هي الأهم التي تمنح لتايوان خلال السنوات العشر الأخيرة، لكن الرئيس الأمريكي ارجأ بيع المدمرات التي طلبتها تايبيه والمجهزة بنظام متطور مضاد للصواريخ من طراز «ايفيس». وتعارض بكين بيع تايوان هذا الطراز لأن راداره الالكتروني يمكن ان يغطي أفقاً من 360 درجة بحيث يشمل أكثر من مئة هدف محتمل في وقت واحد. وبموجب هذه الصفقة الضخمة، التي تقدر قيمتها بعدة مليارات من الدولارات ستحصل تايوان على أربع مدمرات من طراز «كيد» ستكون جاهزة اعتباراً من العام 2003، كما تضم الصفقة عدة غواصات بالاضافة إلى طرازات أخرى من الأسلحة الحديثة المتطورة. وتقول واشنطن ان صفقات الأسلحة التي تعقدها مع تايوان إنما تتم تنفيذاً لما يعرف بـ «قانون تايوان» الذي تتعهد الولايات المتحدة بموجبه تأمين كل متطلبات هذا البلد الدفاعية، وعقب ذلك أعلنت الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية ان «الولايات المتحدة» انتهكت في صورة خطيرة البيانات الأمريكية ـ الصينية الثلاثة المشتركة خصوصا بيان أغسطس 1982 الخاص بالخفض التدريجي لمبيعات الأسلحة إلى تايوان. ورداً على احتجاجات بكين على صفقة الأسلحة الأمريكية الجديدة أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش انه سيرسل قوات أمريكية لمساعدة تايوان إذا تعرضت لهجوم صيني، وقال «من واجب الولايات المتحدة الدفاع عن تايوان». ولاحظ المراقبون انها كانت هذه المرة الأولى منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن عام 1979، التي يعبر فيها مسئول أمريكي بصراحة ووضوح عن التزام واشنطن الدفاع عن تايوان، لكن بوش أوضح بعد ذلك تصريحاته مؤكدا في مقابلة مع شبكة «سي. ان. ان» ان ما من شيء تبدّل في السياسة الأمريكية حيال تايوان. وفي ذروة التهديدات المتبادلة بين بكين وواشنطن، رفضت القيادة الصينية في صورة قاطعة دعوة إلى الحوار أطلقها الرئيس التايواني شين شوي ـ بيان. وأعلن الناطق باسم مكتب الشئون التايوانية في الحكومة الصينية انه يستبعد أي حوار مع تشين ما لم يعترف بمبدأ «الصين الواحدة» الذي يعد إقرارا بأن جزيرة تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية. إذا كانت الاستعدادات العسكرية التايوانية تستهدف فقط مواجهة أي هجوم يأتي من البر الصيني، فإن البناء العسكري للصين يتجاوز في أهدافه هذه النقطة ويعكس استراتيجية شاملة تغطي العالم كله، وان تكن هذه الاستراتيجية موجهة أساساً ضد الولايات المتحدة في الدرجة الأولى، وضد دول الجوار القوية كالهند واليابان وروسيا التي كانت وإلى أمد قريب، تناصب بكين العداء. فجيش المليونين ونصف مليون جندي نظامي، والاحتياطي الذي يصل حجمه إلى 15 مليون فرد وترسانة الأسلحة النووية المعززة بصواريخ باليستية يمكن ان تصل إلى أبعد نقطة في العالم، كل ذلك معداً لمواجهة أو غزو جزيرة صغيرة لاتبعد عن البر الصيني سوى كيلومترات معدودة ومع هذا فإن الأسلحة الحديثة المتطورة التي تمتلكها تايوان تتفوق على أنظمة التسلح القديمة التي يعتمد عليها الجيش الصيني. وقد حاولت القيادة الصينية المزاوجة بين تخفيض النفقات العسكرية للتمكن من دعم مخططات النهوض الاقتصادي، وتحديث قواتها المسلحة من خلال تزويدها بأسلحة حديثة متطورة وسد الثغرة التكنولوجية التي تشكو منها، ولأنها اعتمدت على نفسها في تأمين معظم حاجاتها من السلاح، فقد ظلت تعاني من نقص فادح في أنظمة التسلح الحديثة. لكن تحسن علاقاتها مع روسيا وظهور بوادر تحالف بين الطرفين في مواجهة الهيمنة الأمريكية أتاح لها الحصول على بعض أنظمة التسلح المتطورة، وان يكن ما تملكه تايوان في المقابل يتجاوز القوة الصينية المتنامية بمراحل بعيدة، سواء على صعيد الكم أو النوع. وفي إطار هذه العلاقة مع موسكو اشترت بكين 24 طائرة مقاتلة من طراز سوخوي 27 ـ س تو، كما تسعى للحصول على نماذج أخرى أكثر تطوراً، بالاضافة إلى أنظمة رادار حديثة تمكنها من تغطية أنحاء الصين كافة. وخلال عام 1993 وصل الانفاق العسكري في الصين إلى 6.8 مليارات دولار. ومع ان هذا المبلغ يمثل نصف الإنفاق العسكري الفعلي، لكنه يزيد بمعدل 52 في المئة على إنفاق عام 1989، وأعلنت الصين مطلع عام 2000 انها ستنفق 120.5 مليار يوان (14.5 مليار دولار) على قطاع الدفاع الوطني، بزيادة نسبتها 12.7 في المئة عن العام السابق. على الرغم مما تشكله مسألة استعادة تايوان من أهمية بالنسبة للصين، إلا ان بكين تدرس خطورة التورط في مواجهة عسكرية تبدأ مع «الجزيرة المتمردة» وتنتهي بالاشتباك مع الولايات المتحدة نفسها، حيث يرابط الأسطول السابع الأمريكي في خليج تايوان في صورة شبه دائمة، وربما هذا ما تسعى إليه واشنطن، لذا فإن القيادة الصينية ترى ان مواجهة الولايات المتحدة، سياسياً واقتصادياً ينبغي ان تحتل الأولوية في حساباتها ومخططاتها، وكما انتظرت بكين عشرات السنين حتى استعادت هونج كونج، يمكنها الانتظار مدة مماثلة لاستعادة تايوان، وخلال ذلك تستطيع ان تحقق، من خلال العلاقة الاقتصادية المتنامية معها، فوائد مادية كبيرة تعزز بها مشاريعها التنموية بيد ان ثمة مسألة واحدة في هذه المشكلة الشائكة، لا تستطيع الصين ان تسكن عنها وهي ان تعلن تايوان الاستقلال النهائي عن بكين، إذ عند ذلك ستصبح المواجهة العسكرية بينهما محتومة، حيث ستحاول الصين اعادة جزيرتها المتمردة إلى «بيت الطاعة». ان الهدف الرئيس للإدارة الأمريكية في المرحلة المقبلة هو استدراج الصين إلى سباق تسلح آفاقه الفضاء كله (الدرع الصاروخية) بالاضافة إلى مواصلة تسليح تايوان لدفع بكين إلى الرد بخطوات مماثلة، فواشنطن تخشى ان يستمر هذا النمو المتسارع للاقتصاد الصيني بما يجعله يتفوق حتى على الاقتصاد الأمريكي في نهاية العقدين المقبلين، كما تتوقع بعض التقارير الأمريكية الرسمية. لهذا تريد واشنطن ان تكرر ما حدث للاتحاد السوفييتي خلال عقد الثمانينيات حيث انهكته «حرب النجوم» الأمريكية وقادته إلى الانهيار والتفكك، ويؤكد العديد من المحللين ان مشروع الدرع الصاروخية يستهدف الصين بوجه خاص، كما استهدف مشروع «حرب النجوم» الاتحاد السوفييتي. ـ كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا