كنت أعلم أن السوق الصحفية فيها عدد من الصحف الهابطة التي تعتمد أسلوب الفضائح وقضايا الآداب. وكنت أسمع قصصا غير موثقة عن محاولات ابتزاز من بعض المسئولين عن هذه الصحف لبعض رجال الأعمال الفاسدين. وكنت على الدوام من المطالبين بتنظيم السوق الصحفية في مصر بعد أن انتشرت ظاهرة (الصحافة القبرصية) التي يحصل فيها أي عاطل على ترخيص من قبرص، ثم يعتمد على (تفتيح المخ) فتتفتح أمامه الأبواب ويستطيع طبع صحيفة في القاهرة وتمريرها إلى القارئ واستخدامها في الابتزاز والحصول على إعلانات من المشبوهين الذين ازدحمت بهم سوق رجال الأعمال في السنوات الأخيرة. كنت أعلم ذلك، ولكني لم أكن أعرف أن الانحطاط في السوق الصحفية يمكن أن يصل إلى هذه الدرجة المخيفة التي شاهدتها على صفحات تلك الصحيفة التي اصبحت في دائرة الضوء بعد أن تجاوزت كل الحدود في الهبوط الأخلاقي والمهني، وأيضا في إنعدام روح المسئولية.. الأمر الذي فجر أوضاعا طائفية كان من الممكن أن تكون أكثر خطورة لولا عمق المشاعر الوطنية التي تجمع أبناء مصر الذين يدركون إلى أي مدى أصبحت مصر مستهدفة في قدس الأقداس بالنسبة لها وهو وحدتها الوطنية، وإدراك الجميع أنها نزوة صحيفة أدمنت السقوط ولا تملك أي مصداقية أو احترام عند الرأي العام. ثلاث صفحات مقززة كان لابد أن تثير أقباط مصر ومسلميها معا، فالجريمة هي في حق المجتمع كله. ثلاث صفحات من الصور العارية لكاهن فصلته الكنيسة منذ خمس سنوات يمارس الرذيلة مع إحدى السيدات في شقة بالقاهرة، وتقول الصحيفة إن الرجل الذي تصفه بأنه أحد الكبار في (دير المحرق) قد حول الكنيسة إلى بيت للدعارة .. و.. و..! والصحفي وصحيفته الآن أمام القضاء الذي يبدأ اليوم في نظر القضية بصورة عاجلة. والاتهامات قد تلقي بالصحفي في السجن لسنوات، والصحيفة سيتم إغلاقها .. وإذا كان المطلوب أن تتم معالجة الموضوع على وجه السرعة وتطويق آثار ما حدث، فإن ذلك لا يعني أن لا نقف طويلا أمام الظاهرة وتداعياتها، وأن نستخلص الدروس ونبدأ في العلاج المطلوب لأمراض كثيرة تنخر في جسد المجتمع ومن ثم تطفو الأزمات على سطح الحياة السياسية والثقافية والصحفية. حجم الجريمة وفي البداية هناك ملاحظتان على ما شهدته مصر من ردود أفعال لهذه الجريمة في الأيام الماضية. الملاحظة الأولى أن مظاهرات الاحتجاج السلمي من الأقباط قد توجهت إلى رأس الكنيسة البابا شنودة وإذا كان الأمر طبيعيا في موضوع يتعلق بجريمة في حق الكنيسة وبأحداث محورها كاهن سابق. فإن الأمر أيضا يكشف عن الفراغ السياسي والضعف الشديد للأحزاب المصرية وعجزها عن الحركة في المجتمع وإنعدام تأثيرها في الأحداث. وإذا كان ذلك صحيحا بصفة عامة، فإنه يبدو أشد وضوحا بين الأقباط الذين تتضاءل مشاركتهم في الحياة السياسية، ويبتعدون عن النشاط الحزبي، ولا يدخلون المجالس النيابية بالإنتخاب إلا نادرا!، ويركزون جهودهم في الأنشطة الاقتصادية التي يعوضهم النجاح فيها عن النفوذ السياسي. الغياب السياسي لكل الأطراف ، جعل معالجة الموقف محصورة بين رأس الكنيسة البابا شنودة وبين رجال الأمن.. وقد بذل الطرفان جهودا كبيرة لتهدئة الموقف ولم تكن المهمة سهلة في ظل الغياب السياسي والتخبط الإداري الذي سمح بتكرار الجريمة بعد مصادرة صحيفة (النبأ) الأسبوعية عن طريق إصدار يومي يصدر عنها وتمت مصادرته بعد ذلك. الملاحظة الثانية .. أن هناك حالة احتقان من تراكمات سابقة لدى الأخوة الأقباط. تغذيها دعايات سامة وجهود خارجية مستميته لشق الصف الوطني خاصة من أمريكا.. وللأسف الشديد فإن التعامل مع هذه الحالة يجرى بالقطاعي. والكل يعتمد على تراث مصري عريق في تمسك الجميع (مسلمين وأقباط ) بوحدتهم الوطنية، ويتناسى أن الأمر يحتاج لجهود متواصلة ترعى الأغلبية الأقلية، وتفتح لها كل أبواب المشاركة الفعالة خاصة في الحياة السياسية حتى يكون التعامل مع قضايا الوطن جميعها من منطلق سياسي، يختلف فيه الناس ويتفقون على أسس سياسية وبعيدا عن روح الطائفية، وإنطلاقا من أن الدين لله والوطن للجميع. وبعيدا عن هاتين الملاحظتين فإن القضية ينبغي أن تعود إلى حجمها الطبيعي. قضية صحيفة هابطة خرجت على كل القيم الأخلاقية والمهنية وارتكبت جريمة في حق الوطن، وفي حق المسلمين قبل الأقباط، لأن ما ارتكبته كان خنجرا مسموما في قلب المجتمع كله. وليست هذه هى المرة الأولى التي تثار فيها قضية الصحافة الصفراء في مصر في السنوات الأخيرة ولكنها المرة الأولى التي يبدو فيها المناخ ملائما لمعالجة القضية معالجة حقيقية.. ولنكن صرحاء. ففي المرات السابقة كانت الصيحات تتعالى ضد الصحافة الصفراء، ثم يفاجأ الصحفيون والمجتمع كله بأن المطلوب شيء آخر، وأن الهدف هو منع الحديث في السياسة لا في الفضائح، وأن الطريق يمهد لقوانين جديدة تضاعف القيود على الصحافة . وينتهي الأمر بخسارة للصحافة السياسية أو الحزبية، وبخروج صحافة الفضائح أقوى مما كانت. هكذا كان الأمر منذ أواخر عهد السادات وحتى (الهوجة) التي صاحبت صدور القانون المشبوه الذي استهدف قتل الصحافة في عام 95 والذي كان محور معركة شارك فيها كل المجتمع المصري بأحزابه ونقاباته ومنظماته المدنية ومثقفيه وصحفييه، حتى انتهى الأمر بقرار من الرئيس مبارك ألغى القانون المشبوه وصحح الوضع ومهد الطريق لصدور قانون آخر قد لا يكون هو غاية المطلوب من أجل الصحافة المصرية، لكنه كان خطوة على الطريق أنهت الهجمة الشرسة التي قادها تحالف الفساد مع الإرهاب لضرب الصحافة وتكميم أفواهها ومنعها من خوض المعركة ضد هذا التحالف الذي يمثل أكبر الأخطار على مصر. نظرة خاطئة الآن يبدو المناخ ملائما لمعالجة أوضاع هذه النوعية من الصحافة الصفراء التي شاعت في السنوات الأخيرة والتي تسيئ للمجتمع كله ولكن اساءتها الكبرى هي للصحافة المصرية نفسها. والحقيقة الأولى التي ينبغي أن نقف عندها هي أن أجهزة الدولة نفسها هي المسئولة عن هذه الظاهرة فالصحف التي تعيش على الفضائح والإبتزاز توجد في السوق بأحد طريقين هما : الصحف التي تحمل تراخيص من الخارج (أساسا من قبرص) والتي تقدم لها الأجهزة المسئولة كل التسهيلات.. فتسمح بطباعتها في مطابع داخل مصر، وتعطيها التصاريح اللازمة لطرحها في الأسواق المصرية وبأرخص الأسعار. والصحف التي تطبع بهذه الطريقة ترد الخدمة بأحسن منها، فتتحول إلى أصوات تسبح بحمد المسئولين الذين يمنحونها تأييدهم ويساعدونها على الصدور، وتخوض معاركها الصغيرة ضد منافسيهم في السلطة أو خارجها. والسلطة من جانبها تضمن السيطرة الكاملة على هذه الصحف التي لا تستطيع أن تدخل حقل السياسة إلا لتبارك وتؤيد، فإذا لم تفعل فهي صحف أجنبية يمكن منعها من الصدور بقرار من موظف صغير. الطريق الآخر هو الطريق المشروع.. أي بالحصول على موافقة الجهات المختصة على تكوين شركات صحفية تصدر الصحف والمجلات، وتكسب الشرعية الكاملة ، ولا تجوز مصادرتها إلا بقرار من النيابة ولا يمكن منعها من الصدور إلا بحكم قضائي.. والصحيفة التي أثارت الضجة الأخيرة تصدر بهذه الطريقة. والسؤال هنا: كيف حصل صاحب (النبأ) على موافقة السلطات بكل سهولة، في الوقت الذي توضع فيه كل العراقيل الممكنة وغير الممكنة أمام صحفيين ومثقفين جادين يطلبون إصدار صحف محترمة؟ لقد وصل الأمر إلى أن أصبح الأمر في حكومة الجنزوري من اختصاص مجلس الوزراء نفسه. وقد تم الغاء هذا الوضع بحكم قضائي أخيرا، ومع ذلك فمازال الحصول على موافقة السلطات على إنشاء شركة صحفية لإصدار صحف جادة ومسئولة أقرب للمعجزات التي لا تتحقق إلا نادرا وفي ظروف غاية في الاستثنائية. فكيف حصل صاحب النبأ على موافقة المسئولين بسهولة، ولماذا انفتحت له الأبواب التي تغلق أمام الجميع ؟ ولماذا كان التلفزيون الرسمي يضع مثل هذه الصحيفة بين الصحف المحترمة، فيقدمها للمشاهدين في البرامج التي تستعرض ما تقوله الصحافة جنبا إلى جنب الأهرام والأخبار. في الوقت الذي كانت صحف الأحزاب السياسية لا تجد من يقول عنها كلمة في التلفزيون وهو وضع تغير كثيرا في الفترة الأخيرة؟ ولماذا بعد أن فاحت الروائح الكريهة من هذه الصحيفة وغيرها لم تتحرك الأجهزة المسئولة لتمنع جرائم الإبتزاز وفرض الإتاوات وغير ذلك من الجرائم التي لطخت سمعة الصحافة المصرية؟ ولماذا تركت الأجهزة المسئولة هذه الصحيفة ومثيلاتها تعطي الإنطباع بحصولها على الرضا الرسمي.. وكيف تدعي مثل هذه الإصدارات الفضائحية من وزارة الاعلام لحضور عيد الاعلاميين ومقابلة الرئيس مبارك قبل أيام قليلة من الجريمة التي ارتكبتها الصحيفة؟ المسألة لا تعود فقط لعلاقات شخصية مشبوهة، ولا لخدمات صغيرة يتم تبادلها في الكواليس، وإنما يعود الأمر إلى نظرة تم ترويجها في بعض الأوقات ترى أن صحافة الفضائح يمكن أن تؤدي دورا في إبعاد الناس عن السياسة، وأنها تستطيع أن تستقطب فئات من الشباب محدود الثقافة الذي يعاني من البطالة أو من أوضاع اقتصادية متدهورة فينغمس في صفحات الجنس والجريمة والفضائح بدلا من أن يهتم بقضايا المجتمع الأساسية. هذه النظرة للأسف الشديد حققت نجاحا باهرا واستخدمت كل الوسائل ومن بينها هذه الصحافة الهابطة لكي ينصرف الشباب عن العمل السياسي ، ولكي تتحول الاحزاب إلى مقرات فارغة وصحف تصرخ في البرية، ولكي ينتهي الأمر كما حدث في إنتخابات مجلس الشورى الأخيرة إلى إنتخابات بلا ناخبين! وقد استفادت صحف الفضائح من هذا المناخ الذي يرحب بتواجدها. واستفادت من كم الفساد بين رجال الأعمال وضراوة الصراع فيما بينهم واستفادت من تدهور أحوال الاعلام الرسمي لتتواجد في الساحة، وتحقق شيئا من الإنتشار وتمارس الإبتزاز وتفرض الإتاوات الاعلانية، وتربح الكثير بينما تخسر مصر وتدفع الصحافة والصحفيون الشرفاء الثمن مضاعفا . ملء الفراغ والأمر يحتاج الآن لمواجهة حقيقية والأمر لا يحتاج كما يردد أعداء الحرية دائما إلى المزيد من القيود أو تشديد العقوبات ، فما هو موجود يكفي ويزيد.. وإنما يحتاج الأمر قبل كل شيء إلى رؤية سياسية جديدة تدرك خطر الفراغ السياسي على مستقبل الوطن، وتؤمن أن الحوار الجاد بين كل التيارات والأفكار والطوائف مطلوب وضروري ولا سبيل للنهوض الحقيقي إلا به، وتتأكد أن مشاركة الجميع في تحمل مسئولية المستقبل هو الضمانة الحقيقية لأن تبقى الأمة في قلب التاريخ لا على هامشه بهذه الرؤية تتفتح الأبواب لحياة سياسية نابضة بالحياة، وتنفتح الأبواب أيضا لصحافة تعكس نبض الناس وتعبر عن روح الوطن وتفتح أبواب الحوار حول كل قضاياه وتسلط الأضواء على الواقع فتنير الطريق للمستقبل، وتضرب الفساد بلا رحمة وتقاتل من أجل الحرية والتقدم. نحن الآن أمام صحيفة صفراء في حالة تلبس، وسيتم القصاص منها أمام القضاء. ولكن المهم أن ننتهز الفرصة لنفتح الملفات المغلقة، ولندرس الحالة الصحفية بمجملها، ونقترب من الحالة القبطية بموضوعية ومحبة. والأهم أن ننتهز فرصة الاجماع الوطني على إدانة الجريمة الصحفية التي ارتكبتها هذه الصحيفة الصفراء لنسقط منطق الذين يتصورن الخلاص في محاربة السياسة ومحاصرة الأحزاب، ويفتحون الباب للصحف الصفراء ويغلقونه بالضبة والمفتاح أمام الصحافة الجادة، ويتوهمون أن المستقبل يمكن صناعته بدون رؤية شابة متفتحة تؤمن بالحوار وتحترم الآخرين، وتدرك أن أخطاء الديمقراطية يعالجها المزيد من الديمقراطية، وأن ما نحتاجه الآن وغدا هو المزيد من الحرية والمزيد من المسئولية. و.. معذرة عن هذه البقعة السوداء في صحافة كانت وستظل على الدوام قلعة للديمقراطية ومنارة للثقافة وعنوانا للبحث الدائب عن العدل والحرية. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية