بين فلسطين والاردن علاقة تتجاوز حدود الجغرافيا وامتداد الصخر والرمل والصحراء وضفتي النهر والبحر الميت.. بين فلسطين والاردن تاريخ وبشر ودماء اختلطت بين ساكني الضفتين، وكلام لا ينتهي عن أدوار ومواقف واختلاطات وعقد لايمكن تفكيكها. لقد زرت الاردن للمرة الأولى في اكتوبر الماضي بمناسبة انعقاد المؤتمر العام التاسع للصحفيين العرب، وزرتها ثانية بعد ثمانية اشهر في منتصف الشهر الجاري بمناسبة انعقاد مؤتمر الاعلاميات العربيات، وبين المؤتمرين كانت عمان هي عمان، لكن الاحداث على الخطوط الملتهبة غرب النهر وشرقه كانت تتطور بأسرع مما يتوقع الجميع بينما الاردن ينظر في جميع الاتجاهات العربية. فجنوباً حيث العراق يقف الاردن موقفاً ضد كل ما يحاك من عقوبات سواء كانت غبية أو ذكية! وفي نقطة صغيرة على خريطة الجغرافيا الخليجية الساخنة تتفاعل أزمة اخرى مع الشقيقة قطر بسبب جماعة (حماس) والمهندس غوشة الماكث في مطار الملكة علياء منذ الخامس عشر من هذا الشهر، وفي الداخل ازمات اقتصادية تبدو ملامحها للزائر منذ الوهلة الأولى. الملك عبدالله حط رحاله بالامس في الامارات، ما يعني بشكل واضح ـ وبسبب زيارات سابقة متقاربة ـ ان ما يحدث هناك على بقعة من جسد الوطن العربي يهمنا هنا بشكل يكرس مباديء الوحدة وخطاب الساسة العرب حول المصير المشترك! هل جاء الملك بسبب تداعيات الازمة مع قطر؟ هل هذا يعني انفراجاً قريباً للازمة، وخروج المهندس غوشة من قاعة ترانزيت المطار وعودة الطائرة القطرية الى الدوحة واعتبار ما حدث ازمة عربية طارئة (معتادة) كغيرها من الازمات التي اعتدنا على تسميتها بسحب الصيف العابرة؟ ربما! بل ونتمنى ان يكون للامارات تدخل سياسي حكيم ينهي الخلاف انتهاجاً لسير متواصل من سياسة نزع فتايل الخلافات وترتيب الداخل العربي كما عودنا القائد الحكيم زايد دوماً. بين اكتوبر 2000 تاريخ بدايات الانتفاضة المباركة، ويونيو 2001 حيث قمة التأزم في المواقف والعلاقات والمبادرات، يبدو الجو غائماً أكثر مما يجب بعكس سماء عمان الصافية ومناخها المعقول. قياساً بأجواء الخليج الساخنة جداً، ومع ذلك فإن هناك بقاعاً من الارض قدرها ان تحتمل ويحتمل ساكنوها لغة الجغرافيا وخطوط التماس، وحدود المواجهة، ولا معقولية الطقس، ويأبى القدر إلا ان يبتلينا بلعنة ابدية اسمها (اسرائيل)!! انعقد مؤتمر الاعلاميات العربيات وبعض النسوة فيه مصرات على ان نون النسوة، امتياز خاص يضم بين قوسين ضخمين كل التعقيدات والمآزق والمصائب التي تعاني منها المرأة والتي تسبب فيها الرجل ولا أحد سواه!! قلت في نفسي وانا اتابع جلسات الايام الثلاثة المرهقة والمتتالية: أمازال هناك من يعتقد بأن عالمنا يعيش قضية مرأة ورجل، وبهذه الحساسية والعنف المفرط؟ فمن يضطهد الآخر في الاراضي المحتلة؟ ومن يقتل الآخر في السودان والجزائر؟ ومن يثير الطائفية السوداء في ارض الكنانة الغالية؟ ومن يؤخرنا سنين ضوئية الى وراء الوراء؟ ومن يحتل اراضينا ويستبيح بحارنا ويرعبنا بعسكرته الملعونة؟ ومن يصادر رأينا، ويزرع الفساد في اداراتنا ومؤسساتنا والدمار في نفوس شبابنا؟ ومن يبتهج كثيراً بسبب ما نحن فيه من تقهقر وسوء احوال؟ المرأة أم الرجل؟ أم ان كليهما مطحون في ماكينة التخلف والضعف معاً؟ قلت لنفسي وانا اتابع العشرين ورقة التي نوقشت في المؤتمر: صحوا النوم يا أصحاب نون النسوة! يا من ما زال بعضكن يعتقد بأن بداية تحرر المرأة بأن تحرق حجابها وعباءتها في الشارع العام؟!