في الواقع العملي فإن محطة فضائية عربية ناطقة بالانجليزية التي أقر انشاءها وزراء الإعلام العرب في مؤتمرهم الأخير في بيروت ليس بذاك الانجاز الذي يمكن ان يقف في مواجهة سيل الفضائيات الأجنبية وعضلات الإعلام الغربي بوكالاته وامبراطورياته التي يتدخل فيها اليهود بالخفاء والعلن لرسم سياسته وتوجهاته ضد العرب. لكن مع ذلك يبقى مشروع المحطة الفضائية العربية الناطقة باللغة الانجليزية خطوة في مشوار ألف ميل الإعلام العربي. أما الواقع الذي يفترض ان يغيره وزراء الإعلام العرب هو في اعتمادهم المطلق على قنوات التغذية الإعلامية الغربية، فصحفنا ومحطاتنا الفضائية وإذاعاتنا العربية تعتمد في ملء ساعات بثها وصفحات جرائدها على ما نسبته 99 بالمئة من الأخبار والصور العالمية، ومثلما روجت لنا صورة ايهود باراك بابتسامته النسائية فيما هو يغرف بيديه الآثمتين من دماء الشهداء الفلسطينيين وأطفالهم ، وتلقف الإعلام العربي تلك الصورة وصار يذيعها أمامنا ليل نهار، فإن الإعلام العربي وباعتماده الكلي على مصادر خبرية غربية يغص يومياً بما تسربه تلك الوكالات بين ثنايا السطور وفي اشكال الصور كل ما تريده الصهيونية، وكل ما يراد للعرب سماعه ورؤيته. إعلامنا بكامله مأسور بما يبثه الإعلام الآخر وقنواتنا الإعلامية ما هي إلا مواسير توصل مايراد لنا ان يصلنا من هناك. في الواقع العملي للإعلام العربي هناك صورة مقلوبة على معناها وخبر مجير لغير صالحنا، نحن نقرأ ما يحدث في العالم بالطريقة التي يراها الآخرون لا بالطريقة التي يراها إعلامنا وإعلاميونا فكيف لهذا الإعلام المستعمر أصلاً أن يشكل صوتاً صادقاً وأن يكون صورة حقيقية لوجهة النظر العربية. ماذا ستفعل الفضائية العربية الناطقة باللغة الانجليزية واليتيمة في فضاء تسبح غيلان امبراطوريات الإعلام الغربي فيه والذي يقرأنا على أننا بدو و «همج» و «رعاع» تدفعنا ايديولوجيتنا للنبذ الانساني، كما يحلو لهم طبعاً ان ينعتونا، كيف ستدفع عنا هذه القناة اليتيمة كل التهم، وكل صفات التخلف والارهاب التي وصمنا بها الإعلام المواجه؟ ليست الصورة وردية إلى هذا الحد، وليست أحلام وزراء الإعلام العرب كافية إلى هذا الحد، ان مهمة ارسال خطاب حضاري إلى ثلاثة أرباع شعوب الأرض لاقناعها بأننا أمة ذات طابع انساني واننا حضاريون واننا مسالمون واننا علماء ونمتلك اضافة في الحياة البشرية، تحتاج من وزراء الإعلام أحلاماً وطموحات واستراتيجيات على مستوى عال من الخطاب العالمي، لا خطاباً يضيق به على مستوى اقليميته. وقبل هذا وذاك هنالك الضباب الذي يعتم الرؤية بين الإعلام العربي والعربي. وهناك الإعلامي العربي الذي مازال يعبر الحدود العربية مفتشاً ومحاصراً بالأسئلة الاستخباراتية العربية، وهناك مئات الدهاليز التي يغص فيها الإعلامي العربي في مسيرته. على وزراء الإعلام خلع كل عباءات التبعية وكل ما يقيدهم باتجاه المواجهة الاعلامية العالمية التي ما عادت امبراطورياتها تتبع أحداً سوى سطوتها وعبقرياتها في تسيير الرأي العام العالمي كيفما شاءت وأرادت. هل يمتلك اعلامنا العربي مثل هذه المبادرة العظمى؟ ان إجابة هذا السؤال قد لا تجعلنا نختلف ونتردد كثيراً، ونعقد مئات الاجتماعات ونطلق عنان المشاورات حول أحلام صغيرة. إن إجابة السؤال الكبير بحاجة لعقول كبيرة تهندس الإعلام العربي وتعيد بناء أساساته من جديد على خطاب عالمي يتجاوز الاقليمية والغرق في توافه التفاصيل والتخلص من قيد الرسميات التي تستهلك وقته وساعات بثه. ليست قناة واحدة كافية، وليست النوايا التي ننام على أحلامها، انها استراتيجية عالمية يجب ان تستوحى مما نريد أصلاً.