رغم إصرار البعض وتشبثهم بزمن قديم، ومحاولتهم عبثاً التقيد بقوانينه ولغته وتفاصيله المهملة، يتدفق الزمن الحالي بعولمته، وانفتاحه وتسارعه وتشابكه وثورته على الأنماط التقليدية السائدة ليعلن للجميع حضوره ولغته وقوته وقوانينه وسطوته. كانت أشياء الأمس التي نتعاطاها اليوم مجرد أمنيات فتحولت إلى واقع معاش، نستنشقه ونتواصل معه، حيث ترجمت الأحلام وأصبحت حقيقة واقعة.. فاليوم وبفضل هذا التسارع التقني المحموم تستطيع ان تقول للأشياء المستحيلة وداعاً، تستطيع ان ترسم وتكتب وتقرأ وتسمع وتتفاعل مع العالم الخارجي بكل راحة ويسر.. تستطيع ان تترجم وأنت لا تملك مقومات الترجمة، وتكتب وأنت لا تملك ناصية اللغة وتغني وأنت لا تفهم في النوتة والسلم الموسيقي وتخاطب الياباني بلغته والصيني بلغته والمليباري بلغته دون عناء. بإمكانك اليوم ان تكوّن سيارتك كيفما تريد، فبفضل برامج الكمبيوتر ذات الأبعاد الثلاثية تختار الواجهة التي ترغبها واللون والشكل والمقاعد والاطارات والمقود وكل التفاصيل الصغيرة، كما انه بإمكانك ان تحدد سرعتها وفق البرنامج المعد مسبقاً. العلماء يخترعون ويطورون في دوراتهم اللامتناهية، ونحن نستقبل الأشياء بالدهشة أحياناً، وبالاستغراب أحياناً وبالتجربة أحياناً أخرى، فسيارة المستقبل المثالية لن تكون مصنوعة من المعدن كما يشير العلماء أو حتى من الألياف الزجاجية، وإنما من نبات القنب الذي تستخرج منه حشيشة الكيف. أي ان سيارتك ستكون «على الكيف»، كما يؤكده باحثون استراليون يرون ان القنب سيحل في غضون عشر سنوات مشكلة التخلص من بقايا معدن السيارات القديمة، إذ ستترك لتتحلل أو سيتم التخلص منها مثل أي نفايات حيوانية أو نباتية. وبعيداً عن السيارة والترجمة وبعيداً عن السلم الموسيقي والغناء والفيديو كليب الذي بدأ كتقليعة أوروبية أو محاكاة واستنساخ وتواصل عبر الفضائيات العربية ولم يزل، بعيدا عن كل ذلك دخلت في تفاصيل تجربة شخصية كان انجازها بالنسبة لي حلماً قبل أكثر من عشرين عاماً، لتصبح اليوم مجرد ذكرى عابرة عند طبيب العيون، ومثلما قال زمن العولمة وداعاً لكل شيء بدءًا من الصلع وانتهاء بالأمراض القاتلة، قال أيضا: وداعاً للنظارة الطبية، وقلت مثله عن طريق عملية لا تستغرق أكثر من 15 دقيقة تعود بعدها لترى العالم بشكل مختلف، تعتقد أنك افتقدته كثيراً، فالأشياء تصبح نظيفة وواضحة وجميلة والأمكنة تصبح أكثر اتساعاً ورحابة، أو هكذا تعتقد.. وحتى لا يظن البعض أنني أقوم بعمل دعاية مجانية لأطباء العيون خاصة أولئك الذين يتقنون مهنتهم ويعرفون أسرار عمليات الليزر المثيرة الساحرة أنقلك عزيزي القارئ إلى تقرير نشرته الـ «ديلي اكسبرس» البريطانية أكد على ان الهدف من فحص النظر لم يعد هو الحصول على نظارة طبية وحسب، بل انقاذ حياتك ربما، فيمكن لأطباء العيون الكشف عن بعض الأمراض مثل ارتقاع ضغط الدم والتصلب العضلي والمياه الزرقاء بل وحتى أمراض المخ قبل ان يشعر المرء بأي أعراض. وقد تبين أن الكثير من الأمراض تترك اشارات داخل العين لا يمكن إلا لطبيب عيون متدرب وخبير اكتشافها، فارتفاع ضغط الدم يؤدي إلى علامات على شكل شعلة داخل العين، بينما يؤدي الفشل الكلوي ومشاكل الكبد إلى تضخم في الشبكية، ويمكن لأطباء العيون اكتشاف ارتفاع نسبة الكولسترول الذي يظهر كعلامات بيضاء في القرنية، كما يظهر مرض السكري كحبات سكر كريستالية. عموماً يظل الزمن الحالي بمعطياته المثيرة زمناً مختلفاً في كل شيء، زمن يدغدغ مشاعرنا بثورته على السائد والمعتاد، زمن يقول وداعاً لكل التفاصيل التي نعرفها عن الأشياء المتناثرة هنا وهناك، ومثلما قال التطور العلمي والتكنولوجي وداعاً للنظارة الطبية ووداعاً للصلع ووداعاً للتجاعيد، ووداعاً للمطبخ التقليدي، ها هو يقول لمالكي السيارات وداعاً «للبنشر»، فتخيل انك تقود سيارة ذات اطارات لا تثقب ولا تنفجر ولا يبلى مداسها. يحدث هذا اليوم، فبعد 30 عاماً من التجارب توصلت شركة اميريتاير إلى انتاج عجلات مطاط مصنوعة من خليط من مادة اليوريثاين التي يصنع منها نعل الحذاء، ويبدو ان هذه العجلات التي ستطرح في الأسواق خلال سنتين تتحمل ضغوطاً تبلغ ضعفي ما تتحمله نظيرتها المطاط، وتدوم أكثر منها بكثير، فهي مقاومة للبلى ولا تحتاج إلى هواء ويمكن إعادة تصنيعها، ومن مزاياها الأخرى كذلك انها قابلة للتلوين بما يتناسب ولون السيارة وشكلها، كما يمكن تعطيرها. أحد الخبثاء قال: متى نقول لزوجاتنا وداعاً، خاصة واننا تحملنا ضغوطاً تبلغ عشرة أضعاف ما تتحمله الكائنات وما زلنا نقاوم البلى!