لا يصح اطلاقا فتح المجال لتدخل خارجي في الجزائر مهما تفاقمت الازمة الداخلية المتفاعلة فيها ومهما ازدادت دموية، فالقوى الدولية لاتتدخل عادة في أزمات العالم الثالث ألا وهي مدفوعة بأجندتها الذاتية وليس بمصلحة البلد المستهدف بالتدخل. لقد سجل المعارض الجزائري الكبير حسين آيت احمد زعيم «جبهة القوى الاشتراكية» على نفسه خطأ فادحا بدعوته «اللجنة الدولية لحقوق الانسان» ومقرها جنيف لان تبتدر حملة لتدخل قوى دولية في ازمة الجزائر من اجل تصحيح اوضاع حقوق الانسان هناك. لقد اختار هذا الزعيم، رغم شعبيته ورغم انه سياسي مخضرم ينتمي الى جيل قادة التحرر الوطني في جزائر الخمسينيات، ان يمارس العمل المعارض من الخارج منطلقا من مقره المريح الآمن في عاصمة اوروبية، ومشكلة الزعامات التي تغادر اوطانها لممارسة المعارضة من خارج الحدود هي ايضا مع مرور السنين تعتريها حالة انفصام ممتزج بيأس فتقلع عن المراهنة على شعبها في الداخل لصالح المراهنة على قوى دولية خارجية وبذلك تفقد الرؤية الصحيحة للأمور. ومن المفارقات ان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ادلى بتصريحات قبل بضعة ايام يفهم منها ان هناك تدخلاً خارجياً في الشأن الجزائري واقعا بالفعل، فقد قال الرئيس عن حالة الفوران الجماهيري في الشارع الجزائري التي انطلقت اصلا من اقليم القبائل شرقي البلاد ان ما جرى ويجري مرده الى مؤامرة خارجية. وهنا ألمح بوتفليقة الى فرنسا دون ان يسميها بالاسم مكتفيا باشارة الى «تلك القوة» التي «فشلت لمدى اكثر من قرن في اخضاع الشعب الجزائري». وللانصاف يجب ان نقول ان حديث الرئيس الجزائري لا يخلو من الصحة. فالمعلوم والثابت ان هناك منظمات فرنسية مدعومة حكوميا تعمل على تأجيج فتنة عرقية في اقليم القبائل بتشجيعها ودعمها الدعوة الى جعل اللغة الامازيغية لغة قومية على قدم المساواة مع اللغة العربية في الجزائر كخطوة اولى نحو انفصال اقليم القبائل. نعم.. هذا نوع من التدخل الخارجي في شئون الجزائر. ولكن ما أبعد الفرق بين تدخل دولي يتخذ طابع التسلل التآمري الخفي وتدخل دولي آخر معلن يأتي نتيجة لدعوة معلنة من منظمات جزائرية معارضة. صحيح ان التدخل الخارجي في كلا الحالين غير شرعي وغير مشروع. لكن في حالة صدور دعوة من منظمات معارضة ذات وزن فإن بوسع القوى الخارجية الراغبة في اقتحام المشهد الجزائري ان تدعي للعالم بأن تدخلها شرعي، مستندة الى حقيقة انها «دعيت» الى التدخل. من هنا كان الخطأ الجسيم الذي اقترفه الزعيم الجزائري المعارض حسين آيت احمد باصدار دعوة الى تدخل قوى دولية ـ وبالتحديد قوى غربية. ونأمل ألا تتجاوب منظمات المعارضة الاخرى، خاصة المنظمات العاملة في الداخل، مع هذه المبادرة لانه لو حدث مثل هذا التدخل فإن الوضع الجزائري سوف يزداد تعقيدا على تعقيد. فرنسا مثلا سوف ينتقل تدخلها من السرية الى العلنية وبالتالي سوف يكتسب هذا التدخل قوة اكثر فيتحول الصراع السياسي الجزائري الراهن الى فتنة دموية بين العروبيين والامازيغيين.. اي الى حرب اهلية قد يطول امدها. ان بوسع الرئيس بوتفليقة ان يقطع الطريق على اي تدخل دولي محتمل بأن يدعو كل القوى الداخلية، بما فيها ممثلي المؤسسة العسكرية الى طاولة للحوار الوطني.