بداية يمكننا القول أن قضية الصراع العربي الإسرائيلي، أو حسب مفردات القاموس الغربي، مشكلة الشرق الأوسط، تعتبر من أكثر وأكبر المشكلات تعقيداً، لأنها قامت بالأساس على مفهوم إحلالي ذو توجه واحد، الذي يستوجب الإجلاء بهدف تغييب شعب مستقر وآمن في دياره لمصلحة آخر، لا يحمل بالأصل سمة التوحد القومي والعرقي كما يدعي ذاك الآخر. وعلى ما يبدو أن وقف حدة الصراع الذي نشهد فصوله الدامية هذه الأيام، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي يقوم على نفي الآخر وليس على الاعتراف المتبادل ولو بجزء يسير من حقوقه التاريخية والإنسانية، لا يحمل آفاقاً للتحقق أو النجاح، بسبب ارتكازه على عامل الأمن وحسب. انطلاقاً من هذا الفهم وهذه القيم، غالباً ما نلحظ أن مجموعة المشاريع والخطط المطروحة، وانطلاقاً من الفهم العميق لطبيعة هذه المشكلة، بأنها تدور حول هذا المفهوم والتوجه اليتيم لحل المشكلة التي تجاوزت القرن ونيف، أي أنها تدور حول محور الأمن وديمومة الاستقرار، بمعزل عن متطلبات الآخر الذي يعاني من اضطهادين مركبين قومي واجتماعي، علماً أن أصحاب المشاريع، وصانعي السياسة الكونية، بكل تأكيد يعون جيداً لب القضية وأسباب المشكلة، ويعون أكثر أن كل ما يطرحونه من خطط أمنية، مجرد ترحيل للأزمات وابقاء للنار أو الجمر تحت الرماد، الناجمة عن الحالة الصراعية القائمة. لان القضية وجوهر المشكلة، لم ولن تكون يوماً مجرد مشكلة أمنية ناجمة عن سوء تقدير بين جارين طبيعيين تربطهما علاقات تاريخية متجذرة وطبيعية أيضاً، بقدر ما هي علاقة احتلالية، تقوم على طرفي نقيض، بين طرف محتل وطرف آخر وقع عليه الاحتلال، بكل ما تحمله الكلمة بين ظهرانيها من مرارة. وبعيداً عن الفذلكة والخوض في فلسفة الأشياء، التي باتت مكشوفة وإن بقراءات مختلفة عند هذا الطرف أو ذاك، يمكننا القول أن ما جاء به جورج تينيت رئيس الاستخبارات الأمريكية «السي. أي. أيه»، لا يرتكز بجوهره إلى الأسباب والخلفيات التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى من جهة، ولا يناقش جوهر القضية، بهدف وضع آليات تؤدي لحلول سياسية تقوم على حالة نسبية من التوازن من جهة ثانية، وأن جل ما فعله ممارسة الضغوط على الطرف الفلسطيني والعربي لإرساء شكل من أشكال وقف إطلاق النار، والدافع لذلك هي جملة الضرورات الملحة السياسية بالنسبة لإسرائيل وللولايات المتحدة الأمريكية وحسب، وتتلخص هذه الضرورات بالتالي: أولاً: وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خيارات صعبة، أحلاها مر كما يقال، وهي إما أن تؤجل إرسال مندوبها الأمني الكبير إلى المنطقة، وهذا سيفتح شهية الكثير من الأطراف الدولية المتضررة من التفرد الأمريكي خاصة في هذه المنطقة بالذات، لتدخل من مسامات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتصبح فيما بعد بصرف النظر عن قوة هذا الطرف الفاعل أو ذاك، شريكاً سياسياً على قدم المساواة، لصياغة الشكل النهائي للمنطقة على المستوى السياسي الأمني. واما أن تحضر وتفرض شروطها على الطرف الأضعف المتمثل بالطرف الفلسطيني والعربي، الذي راهن على تصاعد وتائر الصراع على الأرض، بمعزل عن المساس بمؤسسات السلطة الفلسطينية باعتبارها أصبحت شكلاً شرعياً، ولتدخل من بوابة سحب أو إلغاء الاعتراف بشرعية هذه المؤسسة الجنينية، على أقل تقدير من قبل اسرائيل والولايات المتحدة. وعلى ما يبدو أن جورج تينيت نجح ولو بشكل نسبي في إدخال الرعب لصدر وقلب صانع السياسة والقرار الفلسطيني، من خلال تنصله وانسحابه من إعطاء ضمان لبقاء مؤسسات السلطة بالتوازي مع العملية الصراعية، التي سميت ولا تزال بانتفاضة الأقصى. مع الأخذ بعين الاعتبار أن صانع السياسة الأمريكية، لا يزال يعتبر أن الوقت مبكراً لطرح حلول شاملة وكاملة في المنطقة بشكل عام، بما في ذلك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهذا الأمر يتطلب جملة من الإجراءات الكبيرة والخطيرة والعسيرة على الإخراج أيضاً، والتي لسنا بمعرض طرحها في هذا المقام، ليس بسبب سوداوية وقتامة صورتها، بل حتى لا يطول بنا الحديث عن قضية لم تتم أو تقع، بين أبناء الصف الواحد بعد، وعلى مساحة الوطن العربي المترامي الأطراف. ثانياً: تخوف الولايات المتحدة من حرف أو توسيع دائرة الصراع، وهذا بالضرورة سيحشد الكثير من الأطراف العربية والإقليمية حول الموقف الفلسطيني، وسيؤدي في نهاية الأمر إلى تثليم القوة والإرادة الإسرائيليتين، بصرف النظر أيضاً، عن قوة الآلية التدميرية، التي تمتلكها اسرائيل. ومن ثم سيقع على عاتق الولايات المتحدة أن تكون طرفاً خصماً بدلاً من أن تكون وسيطاً وحكماً نزيها كما تطالبها الأطراف العربية وغير العربية بضرورة ما يجب عليها أن تكون، وتزيد من أعدائها في المنطقة وتحرج حلفاءها، خاصة وأنها لا تزال تحاصر دولاً عربية كالعراق والسودان وغيرها. ثالثاً: تعي الولايات المتحدة، أنه إذا ما تثلمت الإرادة الإسرائيلية، من خلال مجريات الصراع الدامي على كل المساحة الفلسطينية، سيتفقد اسرائيل الثقة بالنفس على البقاء، وستنتقل بكل تأكيد من كونها عنصراً استنادياً لها إلى ذراع عطالة، جل همه إقناع المستوطنين بالبقاء في مستوطناتهم المصطنعة الهشة، ليس في أراضي العام 1967 فحسب، بل وفي ما يسمى بداخل الخط الأخضر وأعني في فلسطين العام 1948. ومن ثم سيبدأ النقاش بمشروعية البقاء أو عدمه عند الإسرائيليين أنفسهم، قبل الأمريكيين والأوروبيين، وسيبدأ الطرف العربي برفع وتائر وسوية المطالبات بحلول، قد تتجاوز الكثير من قرارات الأمم المتحدة، التي اتخذت اثر نكسة حزيران وما حملته معها من تخفيض للشكل والمضمون المطلبي العربي. لهذه الأسباب وغيرها، جاءت المطالب المحمولة بحوامل الضغط الأمريكية، لحمل الفلسطينيين على القبول، بأقل مما كان عليه الوضع قبل اندلاع انتفاضة الأقصى، كمقدمة لنقل الصراع من فلسطيني إسرائيلي، إلى صراع فلسطيني فلسطيني أولاً، ولخلق حالة من الإرباك والانكفاء عند الجانب الفلسطيني بخاصة و العربي بعامة، بهدف التسليم بالرؤية الأمريكية الأمنية وليست السياسية. وهذا بدوره سيؤدي إلى إعطاء نصر إضافي أو استثنائي لإسرائيل إذا شئت، بعد أن انتقل الصراع إلى داخلها، وسيعيد ترميم مؤسساتها الأمنية والعسكرية، والاهم من ذلك السياسية الهرمة التي وصلت إلى طريق مسدود على ما يبدو، في غمار تصاعد فعاليات الانتفاضة الفلسطينية. ولعل الهدف من كل ذلك هو وأد الأحلام الفلسطينية في مهدها، في إمكانية إحراز نصر ملموس على الأرض، وأن البنود أو القيود، والأمر سيان، التي ألقاها جورج تينيت على كاهل السلطة الفلسطينية، ومنها وقف الانتفاضة ورشق الحجارة في جميع المناطق أي منطقة «أ»، ومنطقة «ب»، ومنطقة ج، تعتبر حرباً شاملة في مضمونها، على كل ما حققته الانتفاضة. على الرغم من التحفظ الفلسطيني الشديد عليها، وعلى الرغم من عدم الخضوع لها، أو العمل بها. إذا لهذا السبب يمكننا استخلاص حقيقة غاية في الأهمية، وهو أن الدخول من عامل الأمن، والأمن وحده، ولا غير، تعبير عن أن الإدارة الأمريكية ليست بوارد طرح حلول سياسية راهناً، بل هي بوارد ترحيل الأزمات إلى مدى غير منظور، يصل فيها الطرف العربي قبل غيره منهكاً إلى الطاولات المستديرة في هذه العاصمة الغربية أو تلك، ليوقع أوراق إذعانه لإسرائيل كمعتمد إقليمي فحسب. لكن السؤال المهم، هل حقاً وصلت السلطة الفلسطينية والنظام العربي إلى حالة الإذعان للشروط الأمنية الأمريكية ؟وهل غابت عن ذهنهم اللعبة التي غالباً ما دفعوا بسببها أثماناً غالية كان ولا يزال مهرها الدم ؟ أم أن الانتفاضة الحالية ستجدد نفسها، بأقوى مما كانت عليه، بعيداً عن حسابات بقاء المؤسسة أو عدمها ؟ الواقع وبعيداً عن الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها، سنشهد حالة من الصراع، ليس بين الفلسطينيين والفلسطينيين كما يراهن البعض، بل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بدعم وارادة عربيين تعيد الاعتبار مرة أخرى إلى ضرورة إيجاد آليات صحيحة لعودة الحق الفلسطيني والعربي، وان الإجراءات الأمنية المفروضة على المؤسسات الأمنية الفلسطينية لاعتبارات تكتيكية وحسب، تقبع في الحيز المؤقت ليس إلا. ـ كاتب فلسطيني