ليس هناك شركة تأمين في العالم تقبل بسهولة أن تؤمن على مراسل صحفي.. لأنها تعرف بصورة مسبقة أنها تراهن على كوم من القش قابل للاشتعال في أي لحظة.. فحياة المراسل الصحفي على كف القدر.. على كف عفريت.. فلا هو يعرف هل سينام الليلة في بيته أم سينام في خندق على جبهة قتال؟.. هل سيعود الى صحيفته بعد رحلة كان يتابع فيها الأحداث أم سيصبح مجرد خبر في هذه الصحيفة سرعان ما يبتلعه النسيان؟ إن الصحفي في كثير من الأحيان يصبح مثل فقراء الهنود.. إما أن يطحن الزجاج بأضراسه أو ينام على سرير من المسامير.. ولو لم يكن قابلا للكسر فهو قابل للاحتراق.. ولو لم يكن قابلا للغرق فهو قابل للاختفاء.. هو مثل كل السفن المغامرة التي تلقي بنفسها في البحر لا تملك بوليصة تأمين. وفي السنوات العشر الماضية ابتلعت الحروب العرقية والطائفية والعمليات الارهابية والنظم الفاشية والمنظمات الاجرامية 1200 مراسل صحفي وتليفزيوني دفعوا حياتهم ثمنا لتغطية الأحداث.. أو عقابا على تطاولهم على السلطات.. أو وهم يواجهون حيتان الفساد.. وقد اختفى بعضهم في ظروف غامضة لم يكشف عنها النقاب حتى الآن.. ولقي بعضهم حتفه في ظروف أشد غموضا.. ونسيه الناس.. أو تناسوه.. فكان وقودا لتشغيل المطابع.. بدونه لا تدور.. ولا تثمر رأيا.. وهو ما يجعل عبارة الفيلسوف البريطاني الشهير (برترند راسل) التي ترى أن «الصحفيين والكتاب هم السماد الخصب للرأي العام» عبارة صحيحة وملائمة. ومهما كانت سجادة الحرير التي يتصور الناس أن الصحفي يمشي عليها فهي كثيرا ما تتحول الى سجادة من الأشواك والأسلاك الشائكة.. فهناك المساءلة القانونية بكل ضغوطها وقلقها وتوتراتها.. وهناك الصدفة التي قد توقع الصحفي في (شر أعماله ) حتى وهو يقضي إجازة بعيدا عن المتاعب. إن الصحافة مثل امرأة شرسة لا تؤمن بالمرض ولا تعترف بالارهاق أو التعب ولا تصدق أن من حقك القيام بإجازة بعيدا عنها.. وهي تطاردك في كل مكان تذهب اليه.. فربما كنت تتناول العشاء في مكان وقعت فيه جريمة مثل جريمة أركاديا.. في هذه الحالة لن يكون هناك عشاء.. ولا سهر.. وستقضي الليلة في قسم البوليس.. وربما كنت في طائرة وجدت نفسها مخطوفة تحت تهديد السلاح.. ستكون أنت أول الضحايا الذين توضع الأسلحة في رؤوسهم.. وربما كنت على شاطئ البحر وسمعت خبرا أثار اهتمامك وانتباهك.. فهل تتصور أنك ستعرف بعد ذلك كيف تستمتع بأي شئ؟.. إن ذلك كله يجعلك غير قادر على خيانة الصحافة التي لا تقنع ولا تشبع ولا ترضى. لكن.. لو لم تكن تحبها وتموت في هواها فإن الطلاق سرعان ما سيقع بينكما.. ولو لم تعرف كيف تحترمها وتدللها وتقبل يدها فإن أغلب الظن أنها هي التي ستستخدم حقها في (الخلع). منذ حوالي 23 سنة كنت في (لندن) في إجازة صيف أبحث عن مصادر ومراجع ووثائق تكشف عمليات جهاز المخابرات الاسرائيلية (الموساد) للتخلص من علماء الذرة في الدول الاسلامية.. وبينما كنت في مكتبة شهيرة في شارع (أكسفورد) التجاري المعروف عرفت بأن الشرطة البريطانية اكتشفت على بعد أمتار قليلة في شارع (هارلي) الجانبي الذي تتجمع فيه عيادات الأطباء جثة (علي شفيق) الذي كان مديرا لمكتب المشير (عبدالحكيم عامر) وزوجا للفنانة (مها صبري).. وتركت ما في يدي وهرعت وراء الحدث المثير.. وعرفت أنه قتل ليلا وهو في شقته.. ونفذت الجريمة وسط صخب مجموعة من شباب (الهيبيز) أجروا شقة تحت شقته وعزفوا موسيقى زاعقة أغلب الظن أنها كانت للتغطية على عملية القتل.. ففي اليوم التالي أختفى (الهيبيز) بموسيقاهم وصخبهم وسجائر (الماريجوانا) التي كانوا يدخنونها.. ولم يمر وقت طويل حتى كان واضحا أن القتلة كانوا عصابة من عصابات تجار السلاح حصل على صفقة من وراء ظهورهم فقتلوه وتركوا له ربح الصفقة الى جوار جثمانه.. فليس مهما عند عصابات تجارة السلاح المال وإنما الموت عقابا على الخيانة. ويبدو أن رائحة الدم تطاردني.. فقد كنت في أسبانيا أيضا عندما قتل تاجر سلاح مصري شاب.. كان طبيبا واعدا.. وكان إبنا لطبيب شهير.. ولا أحد يعرف ما الذي أغراه بهذه التجارة الخطرة.. فهو يملك كل شئ.. ويمكن القول أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب.. فهل جنون المغامرة هو السبب؟.. أم الرغبة في أن يحقق في دقائق ما حققه والده طوال عمره؟..وقد انتهى به الحال قتيلا في قصر في ضاحية أسبانية يملكها أحد النبلاء السابقين.. كان يدخل بسيارته من البوابة الحديدية الكهربائية.. وقبل أن تعبر السيارة البوابة هوت البوابة على السيارة وحولتها الى منديل ورق مكرمش ودخل الصاج في اللحم.. ولم يهتم أحد كما هو الحال في مثل هذه الجرائم بكشف ما حدث إلا إذا كان صحفيا متهورا مستعدا أن يترك استمتاعه بالإجازة في دولة مثل أسبانيا في سبيل القارئ. ومنذ سنوات كنت في (الجزائر) لإجراء حوار صحفي مع رئيسها الأسبق (الشاذلي بن جديد).. وبينما كنت أنتظر تحديد الموعد رحت أتسلى بالمشي في شارع (ديدوش مراد) أشهر شوارع العاصمة الجزائرية القريب من فندق (إليتي) الذي كنت أنزل فيه.. ولم أجد ما يمنع من تناول فنجان قهوة في مقهى (أفريقيا) الذي يتوسط الشارع ويرتاده طلاب الجامعة والمثقفين والسياسيين.. وما أن غادرت المقهى حتى سمعت صوت انفجار حاد صم الآذان.. كان سر الانفجار قنبلة وضعها الارهابيون وكانوا في بداية نشاطهم تحت أحد المقاعد في المقهى الذي غادرته منذ دقائق تعد على أصابع اليد الواحدة. وفي يوم 6 (أكتوبر) عام 1981 ترددت طويلا في حضور العرض العسكري المقام في ذكرى العبور العظيم.. لكن.. (القاهرة) التي كانت متوترة بسبب التهديدات المتبادلة بين (أنور السادات) والجماعات الارهابية المتطرفة جعلت أي صحفي يشم رائحة الشياط لا يمكن أن يترك مثل هذه المناسبة تمر بدونه.. وأعترف انني عبرت أكثر من حاجز أمني في حي (مدينة نصر) ثم عدت أدراجي.. ثم عدت الى الحواجز الأمنية لأعبرها من جديد آخذا طريقي الى المنصة.. ولا أحد يزعم ممن كان هناك في تلك اللحظات الرهيبة أنه يستطيع أن يعرف ما جرى.. لقد شعرت فجأة بفوضى تسود المكان.. فكان هناك من يجري.. وكان هناك من يصرخ.. وكان هناك من سقط مغشيا عليه.. إن الجريمة لم تستغرق أكثر من 40 ثانية.. أسرع من البرق.. أو قل أنها وقعت فيما يمكن أن يوصف بلمح البصر. وفي أول رحلة لي الى (جنوب افريقيا) بعد أن سقط فيها النظام العنصري استعدادا لأول انتخابات رئاسية وبرلمانية هي التي فاز فيها فيما بعد الزعيم (نيلسون مانديلا) وجدت رزقي في سكتي كما يقولون.. فبينما كنت أضع حقيبتي أمام مكتب الاستقبال في الفندق وجدت رجلا ملامحه أوروبية وهو يدخل من الباب شبه عار.. وسرعان ما عرفت أنه صحفي بريطاني سرقوه تحت تهديد السلاح الأبيض وجردوه من كل شئ تقريبا.. وكان هذا الاستقبال أسرع دليل على الخطر الذي يتهدد زوار هذا البلد الذي نال حريته بطلوع الروح.. ولكن لم تمر عدة ساعات حتى وجدت دليلا أكبر وأشد قسوة.. ففي صباح اليوم التالي كنت في وسط مدينة (جوهانسبرج) مع بعض المصريين المقيمين هناك.. وما كدت أنزل من السيارة حتى وجدت شابا يمسك برقبة فتاة سمراء في نفس لونه.. ولم تمر ثوان حتى وجدت شريانا من الدماء ينفجر من رقبة الفتاة.. لقد ذبحها الشاب علنا.. وسط أكثر الشوارع ازدحاما.. وعندما حاولت أن أرضي غريزتي الصحفية وأعرف سر ما جرى وجدت كل من حولي يدفعني الى داخل السيارة التي انطلقت مسرعة.. وكان التبرير الوحيد الذي أجمع عليه كل من في السيارة هو أنني لو وقفت ثانية أخرى فإن الرقبة التالية التي كانت ستذبح هي رقبتي. لكن.. في (جوهانسبرج) حدث لي حادث فريد من نوعه لم يكن ليحدث في مكان آخر.. إنني لم أشاهد مباراة كرة قدم واحدة في حياتي.. ولم أستطع أن استسيغ فكرة الجنون الذي يصيب مشجعي الكرة.. ولو كان المصريون يعشقون الكرة وأم كلثوم والفول فإنني كنت أعتبر أن الفول يكفي لحفاظي على الجنسية المصرية.. ولكن.. عندما كنت في (جوهانسبرج) عرفت أنه ستقام على الاستاد الوطني مباراة تسمى (السوبر) بين (الزمالك) و(الأهلي).. وشعرت بالحرج وأنا أجد الجميع متحمسا لهذه المباراة إلا أنا.. وشعرت أن هويتي الوطنية مهددة بالضياع فقررت أن أشاهد المباراة.. أول مباراة أشاهدها في حياتي.. وكانت مشكلة لم أصادفها في حياتي.. فالكل يقوم ويقعد.. وينفعل ويصرخ.. ويغضب ويفرح.. الكل ينفعل إلا أنا.. وحاولت أن أقلدهم لكني شعرت بأنني ممثل ضعيف مزيف.. وسكت.. ورحت أحصي عدد المتفرجين.. وفكرت في أن أقرأ صحيفة كانت معي.. وفي النهاية سرحت في عشرات الموضوعات حتى انتهت المباراة بسلام. ومنذ أسبوعين كنت في (جاكارتا) أتابع اجتماعات قمة دول الـ(15) الذي مثل (مصر) فيها رئيس الحكومة الدكتور (عاطف عبيد).. ولم أكن أتصور أنني سأجد شيئا مثيرا.. فمثل هذه البلاد في هذه المناسبات تكون مشدودة أمنيا عن آخرها.. ويكون كل شئ تحت الانضباط وتحت السيطرة.. ثم أن الكلام معاد ومكرر عن سخافة دول الشمال وسماحة دول الجنوب.. وهو ما يجعل الفرجة في مثل هذه ا لرحلات أكثر من المتابعة.. لكن.. كانت المفاجأة أن السلطة العليا في البلاد في حالة صراع حاد وشرس بين الرئيس (عبدالرحمن وحيد) ونائبته (ميجاواتي سوكارنو).. وهو صراع كان على رؤوس الأشهاد في جلسة افتتاح القمة.. فقد قال الرئيس (وحيد) كل ما اراد أن يقول ثم قدم نائبته لتلقي كلمة.. لكنها رفضت وأحرجته.. وكان هذا الحرج في إطار اللعبة السياسية بينها وبينه.. وهي لعبة لم يخفياها حتى على ضيوفهما الرسميين الكبار. وامتد الصراع الى البرلمان الذي وجه اللوم الى الرئيس (وحيد) مرتين في انتظار المرة الثالثة التي تنتهي بسحب الثقة منه وسقوطه.. وتحت لافتات الترحيب المضيئة بضيوف (جاكارتا) كان بعض أنصار (وحيد) وهم حوالي 40 مليون شخص يمثلون جمعية اسلامية تحولت الى حزب سياسي يحاصرون البرلمان.. وكانت قوات الأمن تحاصرهم.. وبدت الأعصاب مشدودة.. والتوتر على أشده.. والأصابع على الزناد.. والأسلحة البيضاء التي في أيدي الناس تبرق.. كان كل شئ على وشك الانفجار.. وهكذا.. ضاعت فرصة التمتع بدولة مثيرة مثل (إندونيسيا).. فلا نحن تفرجنا عليها.. ولا نحن عرفنا كيف يعيش الناس فيها.. وشدنا الحدث المثير.. ورحنا نتابعه بشغف.. فهذه هي المرة الأولى التي نرى فيها عملية سقوط رئيس دولة في العالم الثالث بطريقة ديمقراطية.. وجلست ساعات أتناقش مع السفير المصري في (جاكارتا) عزت سعد حول ما يجري.. وتأخرت طويلا في غرفتي لمتابعة الأخبار على شبكات التليفزيون.. ولم أتردد في الذهاب الى منطقة الأحداث الملتهبة في منطقة البرلمان.. ووجدت أطفالا صغارا يؤيدون الرئيس (وحيد) ويتسلحون بجذوع الأشجار وعلى استعداد أن يموتوا في سبيل أي شخص.. أو في سبيل أي شئ.. فليس لديهم ما يخسرونه.. ولم تنته هذه الأزمة إلا ونحن على باب الطائرة في طريق العودة.. وقد بقى الرئيس (وحيد) في مكانه بعد أن أعطاه البرلمان مهلة أخرى لا تزيد على شهور.. وأغلب الظن أنه سيستفيد من هذه المهلة ليبقى هو ويذهب معارضوه الى الجحيم.. فيوم في السلطة يمنح الانسان خبرة 20 سنة في الحياة.. ودقيقة واحدة في الحكم قادرة على إنقاذ رقبة الحاكم.. خاصة إذا كان قادرا في النهاية على تحريك الدبابات والتضحية بنصف الناس. وما لم نفعله في (إندونيسيا) في أيام حاولنا أن نفعله في (سنغافورة) في ساعات.. لقد هبطنا فيها في طريق العودة لخمس ساعات (ترانزيت).. ولم يكن ذلك صعبا.. فهي جزيرة للسياحة والاستثمار.. فلا عقد.. ولا روتين.. وهذا هو كل ما تملكه (سنغافورة) من موارد.. العقل المفتوح الواثق من نفسه. لقد كانت (سنغافورة) جزيرة شديدة الفقر.. يعيش الرجال فيها على الأفيون بينما تحترف النساء الدعارة.. وكان زبائنها جنود مشاة البحرية الأمريكية الذين كانوا يعتبرونها محطة بحرية لسفنهم.. ثم قرر أحد حكامها أن تصبح دولة محترمة.. ورغم أنها بلا موارد تماما فإنه نجح في ذلك.. فقد حولها كلها الى منطقة حرة.. وجعل أفضل مواردها مطار مذهل وميناء كبير منظم.. ثم فرض القانون بصرامة.. فاللبان ممنوع تماما.. ومن يلقي ورقة في الشارع يدفع غرامة تصل الى 200 دولار.. ومن يلقي بأعقاب السجائر أيضا.. وفتح مدارس للحياة يتعلم فيها الناس كيف يربون أولادهم؟.. وكيف يتعاملون مع جيرانهم؟.. وكيف يطورون حياتهم؟.. أما الذين عجزوا عن التكيف مع الواقع الجديد فقد عزلهم في جزيرة قريبة ووفر لهم الطعام والشراب وزيارة أقاربهم أحيانا.. وبدون موارد.. وبالعقل وحده.. وباحترام القانون تحولت الجزيرة الى دولة محترمة يزيد فيها دخل الفرد عن دولة أوروبية مثل ايطاليا وتختفي فيها الجريمة تقريبا وتسيطر عليها الطبقات الوسطى ومعظم من فيها في سن الشباب.. إنها تجربة تستحق ان يدرسها خبراء اهدار الموارد في بلادنا. ولم يكن من الصعب أن أضبط نفسي في هذه الساعات الترانزيت القليلة في دولة ربما لن أراها مرة أخرى في حياتي وأنا أسأل عن أقرب مكتبة تبيع كتبا عن هذه التجربة المثيرة.. وعندما نظر الي رفاق الرحلة نظرة ذات مغزى رحت أسأل عن أقرب مركز تسوق في وسط المدينة. ـ كاتب مصري