إذا كان المخطط الأمريكي الذي يتبناه تحالف اليمين المسيحي واللوبي اليهودي داخل الكونجرس الأمريكي يرمي من وراء دعم جيش قرنق إلى فصل جنوب السودان فلماذا لا يسعى أصحاب المخطط إلى تحقيق هذه الغاية بالاسلوب السياسي السلمي؟ والاجابة هي: لانهم يريدون لجيش قرنق أن يكون القوة الوحيدة التي تنفرد بحكم جنوب السودان بعد انفصاله. فالاسلوب السياسي السلمي، إذ يمكن أن يحقق فصل الجنوب، فانه قد لا يفضي بالضرورة إلى استئثار «الجيش الشعبي لتحرير السودان» بآلة الحكم في دولة جنوبية جديدة. ان «الاسلوب السياسي السلمي» يعني بالضرورة ان يمارس شعب الجنوب السوداني حق تقرير المصير عبر وسيلة ديمقراطية هي الاستفتاء العام. وتطبيق هذه المعادلة الديمقراطية وما تستدعي لاحقا من نظام انتخابات عامة في الجنوب تتنافس فيها القوى الحزبية السياسية الجنوبية سوف ينطوي على شروط «الحل السلمي السياسي» كلها وفي مقدمتها، أولا وقف الحرب نهائيا، وثانيا تفكيك بنية «الجيش الشعبي لتحرير السودان» وتجريده من السلاح. أصحاب المخطط الأمريكي إذن يتساءلون: ما هو الضمان ـ بعد أن يفقد قرنق بندقيته ـ أن يكتسح حزبه السياسي الانتخابات العامة ليتولى حكم الدولة الجنوبية الجديدة. فنتائج الانتخابات العامة تقررها الولاءات السياسية الحزبية لجماهير الناخبين. والولاءات السياسية في جنوب السودان محكومة بدورها بالولاءات القبلية في منطقة يربو عدد القبائل فيها على 250 قبيلة. وحتى لو ظفر قرنق بكل أصوات جماهير قبيلته ـ وهي «دينكابور»، وهذا أمر ليس مقطوعا به، فانه لن يتمكن من الانفراد بالحكم. تصور أصحاب المخطط الأمريكي يهدف إذن إلى تمكين جيش قرنق من انتزاع فصل الجنوب بالقوة العسكرية لتقوم بعد ذلك دولة جنوبية استبدادية تحت حكم دكتاتور لا يمثل إلا أقلية قبلية لينضم إلى أمثاله في الجوار ـ يوري موسيفيني في يوغندا وبول كاغامي في رواندا. والسؤال الآن هو: هل ينجح هذا المخطط الأمريكي؟ لاستبانة معنى هذا السؤال علينا أن نستذكر ان هذا المخطط يلقى معارضة داخل الولايات المتحدة نفسها. لقد حقق تحالف اليمين المسيحي واللوبي اليهودي، كما ذكرنا، انتصارا لا شك فيه هذا الاسبوع عندما أثمرت ضغوطه تمرير قانون بمضمون المخطط المذكور في مجلس النواب الأمريكي بأغلبية كاسحة.. والمضمون هو فرض عقوبات على شركات النفط الأجنبية إذا تعاملت مع السودان من ناحية وتقديم دعم مالي جديد لجيش قرنق. لكن قسما من ادارة بوش ـ وزارة الخارجية تحديدا ـ أعلن معارضة على هذا التوجه معبرا بذلك عن تجمع شركات النفط الأمريكية وتطلعها إلى الاستثمار في السودان. ورغم ان هذه المعارضة تبدو ضعيفة نسبيا الآن إلا انها قد تقوى لاحقا. على صعيد آخر اتخذت مصر كما ذكرنا موقفا شديد الاعتراض على المخطط وهدفه الأكبر المتمثل في فصل جنوب السودان. وإذا أخذنا في الاعتبار ان مصر هي الحليف الاستراتيجي الأول في العالم العربي، وربما افريقيا أيضا، فاننا ندرك مدى قوة هذه المعارضة وتردد أصدائها داخل دهاليز السلطة الأمريكية. ويجب أن ننتظر لنرى ما تأتي به الأيام المقبلة، خصوصا نتائج زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن.