نشرنا منذ فترة وجيزة في هذا المكان مقالا عن الغروب الأمريكي تنبأنا فيه بقرب زوال الولايات المتحدة كقوة عظمى تتحكم في شئون العالم شرقا وغربا وانتقال مركز صناعة القرار الدولي من واشنطن إلى عاصمة أخرى أكثر جاذبية خصوصا بعد أن كشرت الولايات المتحدة الأمريكية عن أنيابها وبدأت تتعامل باعتبارها الشرطي المسئول عن تنظيم هذا العالم وتأديب الخارج على قانون الولاء والطاعة لأبناء العم سام خصوصا بعد جنوح أمريكا عن قيم العدل والمساواة في التعامل مع القضايا الدولية ورضوخها الكامل للسياسة الصهيونية ورشحنا فيه ظهور قوى جديدة تتولى الصدارة منها الاتحاد الأوروبي والصين أو فرنسا أو ألمانيا الاتحادية واستبعدنا بريطانيا التي رضيت بدور الكمبارس والتابع في الكواليس للسياسة الأمريكية كما استبعدنا روسيا التي تعاني مشاكل داخلية تنوء بها الجبال وقلنا انهما غير مؤهلتين لهذا الدور تماما كما قلنا ان هذا الأمر لن يستغرق أكثر من عشر سنوات. ويبدو اننا لن ننتظر طويلا حتى يتشكل الوريث الجديد الذي سيتصدر قيادة السياسة الدولية وذلك لان المؤشرات الراهنة توحي بولادة هذا الوريث فعلا وانه بدأ يمارس دوره بقوة وفاعلية في الأحداث والقضايا الدولية كما بدأ هذا الوريث في تضييق الخناق على السياسة الأمريكية ومناهضتها من ناحية أخرى مما يؤكد ان الوريث الجديد ولد مكتملا ويحمل المؤهلات التي تساعده على أن يحل محل الولايات المتحدة بيسر وسهولة وهذا ما لمسناه من خلال تصرفات هذا الوريث الجديد في الأيام القليلة الماضية. دعونا نستطلع المؤشرات التي جعلتنا نؤكد على ميلاد هذا الوريث البديل المؤهل لقيادة العالم في المرحلة المقبلة بدلا من الولايات المتحدة التي تقود السياسة الدولية وتوجهها بما يخدم مصلحتها بعيدا عن قواعد القانون الدولي والهيئات الدولية التي سيطرت على معظمها وجعلتها تابعة لها مؤتمرة بأمرها ومنفذة لسياستها. هذا الوريث الجديد أو النجم الجديد في السياسة الدولية هو الاتحاد الأوروبي الذي أعد نفسه لهذا الدور جيدا منذ سنوات طويلة مضت لكنه انتهز الفرصة المناسبة ليعلن عن نفسه بقوة، أما الدلائل والمؤشرات التي جعلتنا نؤكد على ترشيح الاتحاد الأوروبي لصدارة السياسة الدولية لهذا الدور فهي ما يمكن أن نرصده في محورين أساسيين: الأول: حضور الاتحاد الأوروبي القوي والفعال في أماكن التوترات في العالم من خلال ممثلين على مستوى عال من الكفاءة والقدرة كما هو الحال في مشكلة البلقان وفي قضية فلسطين التي تمثل لب الصراع العربي الإسرائيلي. الثاني: محاصرة هذا الاتحاد للسياسة الأمريكية وتوجيه الضربات الموجعة لها فأخرجها من لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة كما نسق جيدا مع روسيا في التصدي لشبكة الصواريخ التي أرادت الولايات المتحدة الأمريكية نشرها. دعونا نتوقف عند كل واحد من هذين المحورين حتى نستجلي تلك النقاط بالتفصيل وبوضح كاف. ـ أما بالنسبة للمحور الأول فقد حرص الاتحاد الأوروبي على تثبيت اقدامه في الملعب السياسي الدولي ليس فقط كمجرد لاعب عادي وسط العديد من اللاعبين المماثلين ولكن كمحترف يعرف متى يعلن عن نفسه وكيف يقتنص الفرص ومتى يسدد الأهداف نحو المرمى بقدرة ومهارة، فقد استغل الاتحاد الأوروبي تقليص الولايات المتحدة الأمريكية لدورها الخارجي بعد صعود إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جورج دبليو بوش الجديدة إلى البيت الأبيض واعلانها التركيز على القضايا الداخلية وتقليل الدور العسكري والسياسي في أوروبا، وهنا أسرع الاتحاد الأوروبي فملأ الفراغ وهذا ما نلمسه بالحضور القوي والدائم لممثلي الاتحاد الأوروبي في مقدونيا لوقف نزيف الدم المستمر بين الحكومة المقدونية والمقاتلين الألبان الذين يطالبون بحقوقهم كأقليات مسلمة تمثل نسبة 40% من تعداد السكان في مقدونيا وليس لهم أي حقوق سياسية تعبر عن ذاتهم وهويتهم فبصفة مستمرة نلاحظ وجود خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي في مقدونيا وفي اجتماعات مستمرة مع الحكومة المقدونية وممثلي الأقلية الألبانية في محاولة للوصول إلى حل سلمي لنزع فتيل الأزمة المتفاقمة منذ حوالي شهرين تقريبا. ـ ومن ناحية أخرى بدأ الاتحاد الأوروبي في الحضور الكثيف والتواجد الفوري المستمر في أماكن النزاع التي تقوم أمريكا فيها بدور الوسيط كما هو الحال في قضية الصراع العربي الاسرائيلي فبعد ان كان الملعب خاليا تماما من كافة الأطراف في تلك القضية المزمنة إلا من اللاعب الأمريكي غير النزيهة وحليف اسرائيل الاستراتيجي وحاميها في مجلس الأمن من أي ادانة دولية باستخدام حق النقض الفيتو، شاهدنا في الأيام القليلة الماضية حضور فعال لممثلي الاتحاد بداية من أمين الاتحاد مرورا بخافيير سولانا والعديد غيرهم من وزراء خارجية الدول الممثلين للاتحاد الأوروبي رغبة منهم في لعب دور جديد في المنطقة. ـ وربما أدرك الوسيط الأوروبي الجديد ان وجوده أصبح ضروريا خصوصا وان الوسيط الأمريكي أصبح غير مرغوب فيه كوسيط غير نزيه يتعامل بسياسة الكيل بمكيالين وهذا ما أكدته تصريحات العديد من الحكام والمسئولين العرب في الفترة الماضية الذين طالبوا بضرورة دور أوروبي خصوصا بعد المواقف المتعنتة التي وقفت فيها الادارة الأمريكية الجديدة بكل قوة خلف حكومة الارهابي ارييل شارون في بطشه وحربه ضد المدنيين العزل في الأراضي الفلسطينية المحتلة فلم تفرق رصاصات الغدر والخيانة بين الأطفال والرضع والنساء الأبرياء فحصدتهم بدم بارد ثم كانت الوفود الأمريكية إلى المنطقة في محاولة لفرض غطرسة القوى الأمريكية على منظمة التحرير الفلسطينية لاعتقال أعضاء منظمتي حماس والجهاد الذين ينفذون عمليات استشهادية بدأت تزعزع الثقة في نفوس اليهود في قدرة شارون على اخماد الانتفاضة كما بدأت تزعزع الثقة في اسطورة القوة الاسرائيلية التي لا تقهر كما بدأت تبث الرعب في قلوب قطعان المستوطنين الذين فر عدد كبير منهم إلى خارج المستوطنات وأعلن عدد كبير منهم عن رغبته في مغادرة إسرائيل كلية خوفا من تلك العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الشباب الفلسطيني دفاعا عن أرضه ومقدساته. أما المحور الثاني وهو ملاحقة السياسة الأمريكية وتضييق الخناق عليها فقد بدا ذلك واضحا في تنسيق دول الاتحاد في اختيار أعضاء لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فأخرجوا الولايات المتحدة لأول مرة من تلك اللجنة منذ تأسيسها وبعدها بأسبوع واحد منيت الولايات المتحدة نتيجة لضجر العالم من غطرستها وعنصريتها بهزيمة أخرى خرجت على اثرها من لجنة الاشراف على مكافحة المخدرات مما استشاط غضب الرئيس الأمريكي فأعلن: كيف تخرج أمريكا من لجنة حقوق الإنسان وتدخلها دولة مثل السودان والمعلوم ان السودان من الدول التي تصنفها أمريكا بالمناهضين لحقوق الإنسان. وظهر اصرار الاتحاد الأوروبي على ممارسة دوره الجديد في السياسة الدولية في تنسيقه مع روسيا في الوقوف في وجه المشروع الأمريكي الجديد بعزمها على نشر شبكة هذه الصواريخ النووية ورغم الحجج والأعذار التي أعلنتها أمريكا عن أسباب انشاء مثل هذه الشبكة مثل قولها انها مهمة لوجود بعض الأنظمة المعادية للديمقراطية والتي تمثل بؤر توتر عالمية كالنظام العراقي الا ان تلك الحجج لم تجد المسوغ الأوروبي للقبول بهذه الشبكة. فإذا أضفنا إلى ذلك قدرة السوق الأوروبية المشتركة التي أنشأتها دول الاتحاد منذ سنوات والعملة الأوروبية الموحدة اليورو التي أصبحت تهدد الدولار وتلحق به الخسائر المتوالية وفي المقابل الكساد في السوق الأمريكي وقلة نسبة النمو في الناتج الأمريكي والهبوط المستمر لسوق الأسهم الأمريكية وانخفاض مخزون الطاقة الأمريكية حسب تقرير معهد جيمس بيكر للطاقة في الشهر الماضي فان كل تلك الدلائل تشير إلى صحة ما أوردنا عن قرب غروب القوة الأمريكية التي تقوم على الغطرسة والقوة. وتؤكد على ان الاتحاد الأوروبي هو الوريث الجديد والذي بدأ يمارس دوره بفاعلية وأعلن عن نفسه بعد فترة اعداد وتجهيز طويلة استعد خلالها سياسيا واقتصاديا للمواجهة الجديدة حتى يستطيع أن يطوي صفحة الغطرسة الأمريكية وينقل مركز صناعة القرار السياسي الدولي من واشنطن عاصمة العالم إلى قلب أوروبا بدون مواجهات عسكرية ولا خسائر اقتصادية وبهذا يكون القرن الجديد ايذانا بافول نجوم القوة والسياسة في القرن الماضي لصالح ميلاد نجم جديد ولد في قلب أوروبا يتصدر رسم الشئون السياسية والاقتصادية والعسكرية في القرن الجديد. ـ كاتب مصري ـ جامعة الامارات