تعتبر «عقوبة الإعدام» تنفيذا لقاعدة «القصاص» التي تجمع عليها معظم الديانات السماوية، والكثير من القوانين الوضعية التي تحاول تطبيق العدالة على الأرض، تطبيقا لقاعدة بسيطة «العين بالعين والسن بالسن»، ولا اعتقد أن أحدا يرفض تطبيق هذه القاعدة على النحو الذي يحقق العدالة في الأرض، سواء كان مؤمنا بالديانات السماوية أو مؤمنا بعقائد أخرى بعيدة عن الأديان السماوية، لأن الأصل في قبول هذه العقوبة على من يثبت ارتكابه لجرم يستحق تطبيقها، هو تحقيق العدالة بين الناس ليطمئن المجتمع. حتى الذين يعارضون تطبيق عقوبة الإعدام اليوم، وقد اتسعت قاعدتهم في مجتمعات الدول الغربية، مما تبع إزالة هذه العقوبة من معظم قوانين أوروبا الغربية، تنبع معارضتهم لها، لا إيمانا بديانات أو عقائد أخرى ترفض تلك العقوبة، لأنه لا توجد عقيدة واحدة على ظهر الأرض ترفض العدالة ولا تطالب بعقاب من يرتكب جرما كبيرا، وإباحة دماء الآخرين من البشر وقتل النفس التي حرم الله يعتبر من الكبائر، بل تنبع معارضتهم لتطبيق تلك العقوبة انطلاقا من إيمان راسخ بان العدالة المطلقة مستحيلة التحقيق، ولذلك يخشون من استخدامها في ظل غابات القوانين وحيل الإفلات منها - للفتك بأبرياء تحت شعار تحقيق العدالة في عالم انتشر فيه الفساد، ووصل إلى مؤسسات منوط بها تحقيق هذه العدالة، منها البوليس المفترض أنه يقوم بجمع الأدلة الجنائية التي تدين أو تبرئ من يتم توجيه الاتهام إليهم، أو القضاء بفرعيه: النيابة العامة التي تحقق في صحة القرائن وتقديمها إلى القضاء المنوط به تحقيق العدالة باستخدام الأدلة والقرائن التي يقدمها له المحققون. بغض النظر عن الموقف من تأييد أو رفض تلك العقوبة، فقد أثبتت الوقائع بالفعل خلال السنوات الأخيرة أن تنفيذ تلك العقوبة في بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية شابه الكثير من الشكوك، على الرغم من ادعاء تطبيق العدالة في ظل «ديمقراطيتها»، حيث تم تطبيق عقوبة الإعدام على قاصر دون السن القانونية، وقت ارتكاب الجريمة المتهم فيها، بل تأكد مدى تدخل جهات البوليس في تزييف حقائق وقرائن للعثور على «مجرم» ولا باتهام برئ لتأكيد مدى قدرة البوليس على العثور على المجرمين في أسرع وقت ممكن. ولا تزال قوانين الولايات المختلفة التي تتكون منها الولايات المتحدة الأمريكية ترى في عقوبة الإعدام، لا تحقيق العدالة ولكن لردع المجرمين الذين يفرزهم نظامها الاقتصادي والاجتماعي الذي يؤمن بالحرية المطلقة في تحقيق الكسب دون النظر إلى الوسيلة إليه، ولا يزال يقدس المال فوق كل شيء. من هنا أصبحت العدالة للأغنياء على حساب الفقراء، وبالتالي أصبحت أجهزة الدولة في خدمة من يملك أبرع المحامين، ومعظمهم يعتمد على الذكاء في التعامل مع الشرطة المتعطشة إلى إعلان قدرتها الفائقة على القبض على المجرم، أي مجرم، لذلك يصبح الضعفاء والفقراء والملونين والجماعات المنبوذة في المجتمع هم الأداة، ومرجعنا في هذا ليس التحليل أو مجرد الاشتباه، بل البرامج التليفزيونية الخاصة الكثيرة التي تبثها وسائل الإعلام الأمريكية نفسها، والتي تكرر إثباتات لا تقبل النقض في العديد من القضايا التي راح ضحيتها أبرياء لمجرد شهادة كاذبة تعتمد على «العنصرية» ضد غير البيض. أو الاعترافات من جانب الشرطة في تعاملها مع السود والسمر والمهاجرين باعتبارهم من المجرمين بطبعهم، أي الإجرام بالسليقة، ومن هنا كل أبيض بالنسبة إليهم برئ حتى تثبت إدانته، والأسود أو الملون مجرم حتى لو ثبتت براءته، ودليلنا في هذا العديد من التسجيلات لضحايا ضربتهم الشرطة حتى الموت لمجرد الاشتباه في ارتكاب مخالفة مرورية بسيطة وحاولوا الهروب من الغرامة المقررة(!). والاعتماد على المحامين المشهود لهم في تعاملهم مع القضاة والمحلفين بطلاقة لسانهم أو سهولة حصولهم على شهادات وأوراق تدحض أي محاولة لتبرئة متهم برئ أصلا. كل هذه الأوضاع جعلت العديد من المجموعات الباحثة عن عدالة حقيقية تبحث وتطالب بإلغاء عقوبة الإعدام من القوانين، لأنها العقوبة الوحيدة التي لا يمكن إقامة العدالة بعدها إذا ثبت أن التحقيق شابه شئ من التدليس، فالذي ينفذ فيه الإعدام لن يعود إلى الحياة مرة أخرى لو ثبتت براءته، والوقائع في هذا الإطار كثيرة. لذلك تم الإعداد بأحكام كبير لتنفيذ حكم الإعدام الجديد، والذي جرى قبل أسبوعين ولن يكون الأخير في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث يبدو تأكيدا على الأيديولوجية التي يعتنقها ويدعو إليها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن والتي كانت سببا في دعم العديد من الفئات في المجتمع الأمريكي له خلال الانتخابات الماضية في مواجهة مرشح الحزب الديمقراطي. ولكن الحقيقة التي غابت عن الكثيرين ممن حاولوا التعامل مع إعدام مفجر المركز التجاري في أوكلاهما أن تلك الحملة الإعلامية كان المقصود منها عملية «تجميل» بالغة الإحكام للعديد من المؤسسات التنفيذية في الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأ يتطرق الشك إلى نزاهتها، وعلى رأسها الشرطة والقضاء، وهما عماد هذا المجتمع الذي يحاول أن يصدر نموذجه للآخرين باعتباره أكثر المجتمعات «مثالية» في العالم المعاصر. تم استخدام إعدام مفجر المركز التجاري للتغطية على فساد البوليس والقضاء الأمريكيين معا، لأن عملية اوكلاهوما كانت ذات صدى واسع نظرا لحجم القتلى الذين خلفهم الانفجار، حتى انه كان مادة لاستخدامه إعلاميا ضد العرب في اللحظات الأولى من وقوعه، لأنه كان مادة دسمة لكل من تسول نفسه تشويه العرب والمسلمين وهم كثيرون في ذلك الإعلام الموجه لخدمة الصهيونية، وهنا ثبت آن الإعلام الأمريكي أيضا يدخل في إطار الفساد الذي أصاب مؤسسات المجتمع الأمريكي، لأنه نصب نفسه طرفا وحكما في القضية دون أن ينتظر نتائج تحقيق البوليس ليقدم متهمه الجاهز كما يفعل البوليس لإعلان مدى قدرته على التحليل السريع. لكن القبض على المتهم الأمريكي حطم نظرية المؤامرة التي قامت عليها التحقيقات الأولية، لذلك كان يجب أن تكون العقوبة بحجم كشف الخلل الذي أصاب تلك المؤسسات، مع أنه كان يمكن النظر في ظروف طبيعية إلى مرتكبه على اعتبار انه مصاب بخلل عقلي ولا يتحمل عبء ما ارتكب من جرم، ولكن وصف المتهم بالعته يعني «وصمة» للمجتمع الذي أفرزه، وهو مجتمع يقدس القتل، سواء في الوطن أو خارج الوطن، دفاعا عن قضية أو بلا قضية. من هنا كانت عملية إعدام «مجرم أوكلاهوما» وسيلة لبث حملة دعائية هدفها التغطية على الخلل المؤسسي الأمريكي، خاصة انه جاء بعد أسبوع واحد من قضية أخرى أثبتت أن الخلل في المحاكمات ضد المتهمين في الولايات المتحدة الأمريكية واقع لا يقبل الشك، وأن جميع الأطراف التي تكونها مؤسسات الدولة للسهر على الأمن وتطبيق القانون وتحقيق العدالة مصابة بالفساد في الصميم، بعد أن حكمت إحدى المحاكم في فلوريدا ببراءة مواطن إسباني محكوم بالإعدام قضى في «ممرات الموت» ثلاث سنوات كاملة منتظرا تنفيذ الحكم، ولم ينقذه من هذا المصير سوى براءته ووجود دولة ومؤسسات اعلامية أجنبية حملت على فساد القضاء الأمريكي ومولت «طاقم» المحامين الأمريكيين الباهظ الثمن لإلغاء العقوبة واعادة المحاكمة واثبات البراءة. فقد كان المواطن الإسباني «خواكين خوسيه» محكوما عليه بالإعدام لأنه «متهم» بقتل «مزدوج»، أي جريمة كان ضحيتها اثنين من مهربي المخدرات، وبعد إدانته والحكم عليه بالإعدام نتيجة العديد من القرائن الفاسدة قانونيا التي قدمها البوليس على أنها قرائن لا تقبل النقض، وظل المتهم «خواكين خوسيه» الإسباني الجنسية ينتظر عقوبة الإعدام ثلاث سنوات كاملة، عاشها منطويا على نفسه لأنه يُعاقب على جريمة لم يرتكبها، وهو أشد ما يمكن أن يقع على إنسان في هذه الدنيا، ولكن البوليس والادعاء كانا يعتبرانه المتهم الأمثل الذي يمكنه أن يرتكب مثل هذه الجريمة على الرغم من عدم وجود أي دافع لعملية القتل، أو أدنى علاقة بالقتيلين، ولا قرينة مادية واحدة تثبت أن «المدان بالقتل» كان في مكان الحادث أو بالقرب منه. وخلال المحاكمة الجديدة قام المحامي البارع، وبالمناسبة هو المحامي الذي دافع عن الرئيس كلينتون في قضية مونيكا، بإسقاط القرائن واحدة وراء الأخرى، ولم تكن قرائن مادية كثيرة تدين المتهم البريء، ومع كل قرينة تسقط كان يثبت فساد مؤسسة من مؤسسات الديمقراطية الأمريكية. القرينة الأساسية المادية الوحيدة «شريط فيديو» غير واضح المعالم ولا يمكن تبين الكلمات المسجلة عليه، قدمته الشرطة كقرينة مادية لإدانة المحكوم بالإعدام المواطن الإسباني خواكين خوسيه، وبإسقاط هذه القرينة بناء على نصيحة خبراء محايدين دفعت الادعاء بأن يتنازل ويطالب بعقوبة السجن المؤبد بدلا من الإعدام، مما يدل على فساد الادعاء الذي لم يتثبت من قرائن الإدانة قبل المطالبة بعقوبة الإعدام في المحاكمة الأولى. ثم باعتراف الطبيب الشرعي انه لا توجد أدلة مادية حقيقية تدين المتهم، وأن تقريره حول إثبات العلاقة بين المتهم والقتيلين جاءت فاسدة نتيجة لضغوط تعرض لها من قبل البوليس لإثبات إدانة المتهم على الرغم من انعدام وجود القرينة الدالة على ارتكابه للجريمة، وبسقوط هذه القرينة ثبت فساد مؤسستي الطب الشرعي والشرطة. ثم كان اعتراف زوجة المتهم السابقة بأنها كادت له انتقاما منه بسبب الغيرة التي أحنقتها عليه عندما علمت بعلاقته بأخرى، وبسقوط هذه القرينة تبين فساد المجتمع نفسه الذي تجد مؤسساته أن سماع شهادة باطلة مبررا كافيا لتوقيع عقوبة الإعدام على مواطن برئ. يضاف إلى هذا أن أفراد «هيئة المحلفين» الأولى الذين قرروا تطبيق حكومة الإعدام على الرغم من الشكوك التي كانت تحيط بالقرائن، وكلهم من الأمريكيين، دليلا على مدى العنصرية المتحكمة فيهم، لأن دافعهم إلى قبول تلك القرائن الفاسدة على الرغم من بشاعة العقوبة أن المتهم أجنبي وليس أمريكيا. على الرغم من الحملة الدعائية المحكمة التنفيذ التي واكبت إعدام «مجرم أوكلاهوما» فإن المجتمع الأمريكي لا يستطيع الادعاء بأنه المجتمع المثالي الذي يجب أن يكون قدوة لغيره من المجتمعات، فهو يستطيع غزو العالم عسكريا، أو باستخدام «الفاست فود والكوكاكولا» و«الجينز» ولكنه يظل مجتمعا فاسدا، لأنه يستخدم إعدام فرد للتغطية على التشوه الذي أصاب مؤسساته، ودولة تقوم على مجتمع كهذا قد تسود فترة لكن مصيرها إلى زوال بعد أن تعجز دعاياتها عن اخفاء تشوهات مؤسساتها. ـ كاتب مصري tshahin@maktoob.com