فعلها تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية، ولم تجرؤ على فعلها فضائية عربية واحدة ممن تستضيف ـ دون خجل ـ جنرالات وسياسيي اسرائيل، تحت وهم «الرأي الآخر» وكأن الارهاب وجرائم الحرب، اصبحا مجرد «رأي»، طالما ان كثيرين يكرسون ان الخيانة محض «وجهة نظر». فعلتها الـ «بي.بي.سي» رغم ميراثها الاستعماري عندما كانت بوقاً لادارة المستعمرات البريطانية، ومع ذلك تحررت المحطة العريقة، سواء بفعل متغيرات الزمن، أو بفعل صحوة الضمير المهني والوعي السياسي، لكن ليس بفضل التحرك الاعلامي العربي «الناعس» في وهم امتلاك الفضاء الدولي! وعندما بثت الـ «بي. بي. سي» مساء الأحد الماضي برنامجها الوثائقي «بانوراما» لم تكن قد تخطت فقط حاجز «الوعي الاوروبي الزائف» والمضلل دائما بتأثير الدعاية الصهيونية المكثفة أو بالوقوع في مدى القوة المغناطيسية للابتزاز اليهودي وعقدة محرقة النازي، بل تخطت حواجز وخطوطا سياسية حمراء، وفتحت باباً من ابواب جحيم التهديدات الصهيونية، التي لن تتوقف إلا بعد اسدال ستار كثيف على حقيقة اجترأ برنامج «بانوراما» على كشفها وتذكير الرأي العام الاوروبي والعالمي بها. فلقد اجترأت الـ «بي. بي. سي» على بث برنامجها التلفزيوني الوثائقي «بانوراما» مشحوناً بشهادات حية، وصور تاريخية تجسد ابشع مذبحة راح ضحيتها اكثر من 800 طفلة طفلة وسيدة وعجوز فلسطينيين داخل مخيم صبرا وشاتيلا في احدى ضواحي العاصمة اللبنانية بيروت عام 1981، ولم تكتف بالتذكير بالمذبحة، أو بالنواح الانشائي الذي تركن اليه فضائياتنا العربية، بسذاجة، أو لمجرد ابراء الذمة، بل اجتهدت المحطة البريطانية من خلال معد برنامجها الصحفي فيرجال كين، واستجوبت شخصيات دولية متخصصة في القانون الدولي، وقضاة شاركوا في محاكمة العديد من مجرمي الحرب، وبالتالي لديهم مصداقية تؤهلهم فعلاً للقيام بدور الادعاء العام باسم العدالة الدولية للمطالبة بمحاكمة السفاح الصهيوني ارييل شارون، الجالس على كرسي الوزير الاول لاسرائيل، ويداه لم تجف من دماء ضحاياه، في مذبحة صبرا وشاتيلا. ويستحق الصحفي معد برنامج «بانوراما» ان يكرم عربيا، وان تعتذر فضائياتنا لجماهيرها بأن تبادر ببث برنامجه، مترجما بدلا من التخبط واللهاث وراء المصادر الاسرائيلية التي تحشو الآذان العربية بالاكاذيب. اما التكريم الذي تستحقه الـ «بي. بي. سي» فهو أن تشعر بحجم التأييد العربي لها في وجه الضغوط اليهودية.. فهل نفعل أم نظل دائما اسرى اهدار الفرص؟