كنت أتحاور مع زميلي الأمريكي حول شروط التقدم في الجامعات، وحول المعايير التي تجعلنا نقول ان هذه الجامعة متقدمة على غيرها، وذكر زميلي أهمية المكتبات والمعامل والمراكز البحثية والمتاحف. بينما قمت بالتركيز على حرية البحث العلمي وحرية التفكير الأكاديمي، وقلت لزميلي: بدون هذه الحرية لا يمكن أن توجد جامعة، ولا يمكن أن يتحقق تقدم أو تفوق، فالحرية هي الشرط الأول لوجود الجامعة، والشرط الأساسي لازدهار فكرها الخلاق وكشوفها العلمية الرائدة. ووافقني زميلي الأمريكي على ما قلت، لكنه أضاف قائلا: انك تركز على هذه الحرية لأنكم تعانون من غيابها في الجامعات العربية، كما يعاني غيركم في جامعات العالم الثالث، حيث التدخل السياسي والقمع الفكري والاضطهاد الاعتقادي أمور واردة وحيث لا اهتمام حقيقيا أو متأصلا بتوفير المناخ المناسب للبحث العلمي والفكري، ناهيك عن التقتير في الانفاق على البحث العلمي. ولكن هذه السلبيات غير موجودة في الجامعات الاوروبية الكبرى والجامعات الأمريكية التي انتزعت حقها في حرية البحث والتفكير منذ أجيال وأجيال، واستقر أمر هذه الحرية بوصفها احدى المسلمات التي لا يمكن الجدال حولها أو النيل منها. ولذلك، فإن تقدم الجامعات في العالم الغربي يقاس بمعايير مختلفة، أولها الانتاج الفكري والعلمي لأساتذة الجامعة، سواء كان هذا الانتاج يتمثل في كتب أو مقالات، أو يتمثل في مشروعات عملية متعددة. وثاني هذه المقاييس السمعة الدولية التي يصل اليها الأساتذة نتيجة أبحاثهم ودراستهم بالطبع. ولعلك لاحظت أن الجامعات المحترمة تحرص على ألا تزيد عدد ساعات تدريس الأستاذ على أربع ساعات، ومثلها ساعات لقاء الطلاب، وذلك حتى يتاح للأستاذ التفرغ للبحث العلمي، ودليل ذلك اهتمام الجامعات المتقدمة، مثل هارفارد، بتشجيع أساتذتها على حضور المؤتمرات العلمية، أو منحهم سنة تفرغ للبحث، أو تغطية النفقات المالية لمشروعاتهم البحثية. ولم يتوقف صديقي الأستاذ في جامعة هارفارد عن الحديث، بل مضى قائلا: وبالطبع ياعزيزي لابد من اضافة الحصول على جوائز نوبل بوصفها مقياسا لتقدم الجامعة، خصوصا في مجالات البحث العلمي، فحصول الأستاذ على جائزة نوبل ليس شهادة له وحده، وانما شهادة للجامعة التي وفرت له امكانات البحث العلمي، وتحملت نفقاته المالية الباهظة، وذلك على نحو أتاح للبحث كل اسباب التقدم والتفوق. ولا أعرف لماذا تفتخر بعض جامعاتكم في مصر بحصول زويل على جائزة نوبل؟! ولكن ماذا عن الجامعة التي حصل منها على درجة الدكتوراه، وعن الجامعة التي اتاحت له الامكانات التي دفعته الى التفوق والابتكار. لا تغضب مني أنا شخصيا أتصور لو كان زويل في الجامعة التي بدأ منها في بلدكم ما كان قد وصل الى ما وصل اليه من الحصول على جائزة نوبل. ولم أرغب في مجادلة صديقي الامريكي كثيرا، فأنا أعلم أنه ليس من الأمريكيين المتعصبين، فضلا عن أنه ليس أمريكي الأصل، وانه هاجر من بلده ألمانيا ليعمل في هارفارد، ولكي يفيد من امكاناتها اللامحدودة. ويبدو انه انتهز فرصة صمتي، واستغراقي في التفكير حول ما قال، ومضى يضيف ما يراه مؤكدا ما ذكره لي. وقال تأمل جامعة هارفارد على سبيل المثال سوف تجد عددا كبيرا من أساتذتها قد حصلوا على جوائز نوبل في العلوم، وأن هذا الأمر ليس صدفة، ولم يقع على سبيل الاستثناء، وانما يبدو كما لو كان قاعدة مطردة، وحدثا متكررا منذ مطلع القرن، وذلك الى الدرجة التي تجعل حصول أساتذة هارفارد على جوائز نوبل مسألة عادية، وطبيعية، وجزءا لا يتجزأ من تقاليدها. ولما كنت لا أعرف شيئا عن هذا الجانب من تاريخ جامعة هارفارد. فقد طلبت من صديقي أن يحدثني عنه، وأن يخبرني بما لا أعرف حول هذه الموضوع الذي أثار فضولي. وقال لي زميلي: هل تعرف أن اول أستاذ حصل على جائزة نوبل في العلوم هو البروفيسور ثيودور ريتشاردز سنة 1915 الذي كان أول أمريكي يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء؟! وقد كان نتيجة دمج علوم الفيزياء بغيرها من العلوم للمزيد من اكتشاف اسرار الذرة والاشعاع وجوهر المادة. وقد اكتشف ارنست روثوفورد في جامعة مانشستر كيفية استخدام قذائف الراديوم لتأسيس وجود الجزيء في الذرة، وان اكتشافاته التي نشرها سنة 1911 قد دشنت عصر الذرة، وأن البروفيسور ريتشاردز في جامعة هارفارد بدأ من حيث انتهى سلفه، ومضى الى الامام مضيفا اكتشافات جديدة، جعلته أول أمريكي يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء. وقد تتابعت من بعده الاسماء. فكان أول من حصل على جائزة نوبل في الطب هو الدكتور جورج ر.مينوت ووليام ميرفي في سنة 1934. وكان ذلك في سياق تشجيع العلماء على المجيء الى هارفارد ، وتوفير كل شيء لهم. هل تعرف أن ألبرت أينشتين قد جاء الى هارفارد سنة 1935 ومنحته هارفارد درجة الدكتوراه الفخرية؟ هل تعرف أنه بعد حوالي عشر سنوات حصل الفيزيائي برسي بردجمان على جائزة نوبل سنة 1946 في فروع فيزياء الضغط العالي؟ وهل تعرف أن جون كيندي أقام حفل عشاء لتكريم تسعة وأربعين عالما أمريكيا حصلوا على جوائز نوبل، والكثير منهم من جامعة هارفارد؟ ويمكن أن تضيف الى اسماء هؤلاء اسم جيمس واطسون الذي كان ثامن استاذ يحصل على جائزة نوبل سنة 1946 في الفيزياء، وادوارد بارسيل الذي حصل عليها سنة 1952 في الفيزياء كذلك، وفرتيز ليبمان في الفسيولوجي سنة 1953، وجون اندرز سنة 1954، وجورج بيكيسي سنة 1961 أما جيمس واطسون فقد حصل على نوبل سنة 1962 نتيجة بحوثه حول الدي. إن أيه. وأنت تعرف خطورة اكتشافات الدي. إن. إيه؟ قلت لصديقي: عندي فكرة ما عن الأهمية. لكن لا أريد أن نترك موضوع جوائز نوبل، فهل توقفت عند سنة 1962؟ نظر صديقي اليّ بابتسامة لم تخل من معنى السخرية قال: كلا، استمر الفوز في جوائز نوبل، وأذكر لك اسم كونراد بلوخ المتخصص في الكيمياء الحيوية الذي حصل على نوبل سنة 1964، وكذلك جورج والد الذي حصل على نوبل سنة 1967. وحسبى أن أقول لك: انه في الفترة من 1971 الى سنة 1990 كان يحصل على جائزة نوبل في العلوم عضو من أعضاء التدريس في كل عام تقريبا، وأن عدد ثماني عشرة جائزة يمكن تسجيلها في هذه الفترة الى السجل القديم. ولم يتوقف الأمر بعد ذلك، فهو لا يزال مستمرا الى اليوم. وأظنك تعرف، بعد زيارتك لجامعة هارفارد، أكثر من مرة، أن هذا الأمر مبعث فخر الجامعة، وأن هذا الحصول المتميز على الجوائز لا يمكن فصله عن توفير كل الامكانات للباحثين، وأحسبك تذكر ماقلته لك من أن ميزانية البحث العلمي في جامعة هارفارد قد تكون أعلى من ميزانية بعض الدول. ولم أجد عندي مايمكن أن أضيفه الى ماقاله صديقي الأستاذ في جامعة هارفارد، فقد تمنيت في أعماقي أن يأتي يوم ما تصل فيه جامعة عربية الى هذا المستوى، وأن يأتي يوم ماينفق فيه أثرياء العرب على البحث العلمي قدر مايتبرع به أثرياء الأمريكان للبحوث العلمية في الجامعات الأمريكية وعلى رأسها جامعة هارفارد. ومن المؤكد أنني لن أرى ذلك في حياتي، فالشواهد القائمة لا تدل على ذلك، وتكاد تدل على تدهور عام في مستوى الجامعات العربية كلها. ولكن من يدري ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل؟! عسى أن يكون حظ أولادنا أو حتى أحفادنا أفضل من حظنا، وتتاح لهم الامكانات والمناخات التي تساعد على ايجاد جامعات متقدمة بكل معنى الكلمة، وليست جامعات هي مجرد مدارس للتلقين والحفظ وتكرار ماهو معروف من قبل.