التحذير المصري الصادر خلال الاسبوع الجاري على خلفية التصعيد العسكري لجيش قرنق يجب أن يؤخذ مأخذ الجد.. فالكلمة المفتاحية فيه هي «تقسيم السودان». لقد قال وزير الخارجية المصري أحمد ماهر «ان مصر لا تقبل تقسيم السودان وستسعى من أجل المحافظة على وحدة أراضيه». وأضاف الوزير الذي كان يتحدث إلى مؤتمر صحفي قائلا: ان «موقف مصر من موضوع السودان واضح.. وهو رفض تام لأي تقسيم للسودان.. كما ان مصر تؤيد بشدة وحدة الأراضي السودانية». ولادراك المغزى العميق لهذه التصريحات يجب أن نأخذ في الاعتبار ليس فقط الهجوم الكبير واسع النطاق الذي تشنه قوات قرنق خلال الاسبوعين الأخيرين وإنما أيضا كون ان الوزير المصري اختار أن يعلن تصريحاته هذه ذات الطبيعة التحذيرية وهو يستعد للسفر إلى واشنطن. وهنا لم يدع الوزير الأمر للتكهن.. فقد قال بصورة محددة انه سوف يبحث موضوع السودان مع وصيفه الأمريكي كولين باول. ما هو المغزى إذن؟ إذا كان الوزير المصري يشدد على وحدة الأراضي السودانية على خلفية عمليات عسكرية فوق العادة في جنوب السودان مدعومة أمريكيا فان أغلب الظن ان الهدف السياسي المرسوم في واشنطن لهذا العمل العسكري هو فصل الجنوب السوداني مما يتعارض مع ثوابت استراتيجية مصرية برفض انفصال هذا الجزء من السودان.. وهي ثوابت نشأت منذ عقود طويلة من عهد النظام الملكي إلى عهد حسني مبارك مرورا بعهدي عبدالناصر والسادات. وتخوف القاهرة الآن من احتمال انفصال جنوب السودان لابد أن يكون مبنيا على حصيلة معلوماتية دقيقة بلغتها من البعثة الدبلوماسية المصرية في واشنطن. وتحذيرات الوزير المصري تكتسب المزيد من المصداقية المعلوماتية عند مضاهاتها بتصريح في نفس السياق صادر عن كل من الرئيس البشير وجون قرنق. بينما اتهم الرئيس البشير الولايات المتحدة صراحة بأنها تسعى لفصل جنوب السودان واقامة دولة مستقلة على أرضه فان تصريحات أدلى بها قرنق هذا الاسبوع لصحيفة عربية لم تنطو على نفي لهذا الاتهام. بل ان قرنق أكد في الحقيقة، وبصورة غير مباشرة، ان هناك مشروعا لفصل الجنوب. لقد كان محور حديث قرنق اقامة نظام «كونفدرالي» بين الشمال والجنوب. ويعلم دارسو القانون الدستوري ان «الكونفدرالية» هي نوع من الاتحاد الفضفاض يقوم بين دولتين مستقلتين.. وهي بالتالي تختلف عن «الفيدرالية» التي تعني نظاما اتحاديا بين كيانين في اطار دولة قومية واحدة، وليس دولتين. إن فصل جنوب السودان، أو انفصاله، ليصير دولة مستقلة ليس أمرا سيئا في حد ذاته إذا ثبت ان ذلك هو مطلب شعب الجنوب. لكن ما يثير الريبة حول المخطط الأمريكي هو هذا السؤال: لماذا تلجأ الولايات المتحدة إلى دعم تنظيم جنوبي عميل لتحقيق فصل جنوب السودان بالقوة المسلحة بينما من المتاح تحقيق هذه الغاية بالوسائل السياسية السليمة؟ بكلمات أخرى: لماذا لا تستخدم الولايات المتحدة كدولة عظمى ما لديها من نفوذ لوقف الحرب بين الشمال والجنوب كتمهيد لاجراء استفتاء شعبي لأهل جنوب السودان على سبيل تقرير المصير بما في ذلك خيار الانفصال؟