يصف بعض الفلسطينيين وربما بعض العرب أيضا القرار الذي اتخذه الرئيس الفلسطيني وقيادته بقبول وقف اطلاق النار الذي تمخض عن زيارة مدير المخابرات الأمريكية للمنطقة جورج تينيت، بأنه فخ نصب للفلسطينيين بقصد تمزيق صفوفهم، فهل هذا صحيح؟ ثم يطالب هؤلاء باقي العرب بزيادة دعمهم للفلسطينيين في انتفاضتهم ومقاومتهم المشروعة للاحتلال الإسرائيلي، بغض النظر عن التحركات الأمريكية. فكيف يتحقق ذلك؟ وفي الجانب الآخر من الصورة يبدي بعض العرب مزيدا من الحيرة تجاه الموقف من الوضع الفلسطيني الراهن. فهؤلاء يعتبرون ان في الأمر بعض التناقض. إذ كيف يستقيم أمر دعم الانتفاضة وتواصلها في الوقت الذي وقعت فيه القيادة الفلسطينية على اتفاق وقف اطلاق النار، أي بعبارة أخرى على وقف الانتفاضة. وكيف يستقيم مطالبة الفلسطينيين للدول العربية باغلاق سفاراتهم لدى إسرائيل والعكس، وقطع كل علاقة لهم بها، في الوقت الذي تستمر السلطة الفلسطينية في مثل هذه العلاقات بما في ذلك التنسيق والاجتماعات الأمنية؟ فهل ما تفعله السلطة الفلسطينية لا ينطبق على الدول العربية، أو ان ما يفعله العرب لا علاقة له بالتزامات هذه السلطة مع إسرائيل؟ أعتقد ان هذه كلها اشكالات وتعقيدات تفرضها طبيعة العلاقة بين الفلسطينيين واسرائيل، من حيث توازن القوى وطبيعة الاحتلال. لكنها أيضا اشكالات تصيب الذهنية العربية بالتوتر وربما التشوش أيضا. ومن المفيد مناقشتها وبحثها، بدلا من التعمية عليها وطمسها. هل هو فخ حقا؟ يمكننا أن نعيد ترتيب مسألة موافقة السلطة الفلسطينية على وقف اطلاق النار بشكل آخر، لنسأل وهل كان أمام هذه السلطة ألا توافق على ذلك؟ ذكرت في الاسبوع الماضي، ان خيارات الفلسطينيين ازاء الواقع الذي ترتب غداة انفجار تل أبيب والضغط الأمريكي والأوروبي والدولي الذي بدأ يتشكل عليهم، كانت قليلة إلى معدومة، سيما بالنسبة للسلطة الفلسطينية، وهي سلطة مسئولة يهمها أن تتخذ مواقف سياسية لا تخرج عن نطاق تقديرات وقبول المجتمع الدولي. فقد كانت الخيارات هي اما أن تصمت هذه السلطة، وتغامر بأن يفهم صمتها على انه موافقة أو تأييد ضمني على انفجار تل أبيب أو تتنصل من هذا الانفجار وتدينه. غير ان التنصل أو الادانة وحدهما لا يكفيان وهما ليسا مقنعين، في الوقت الذي يلوح فيه شارون بعصاه الغليظة لتدمير المدن الفلسطينية وانهاء سلطة الحكم الذاتي. وفي ظل أجواء من التوتر والتخويف أشاعتها قوى دولية واقليمية عديدة في وجه الفلسطينيين، فقد استقر قرار القيادة الفلسطينية على الاستجابة لكل هذه الضغوط والقبول بوقف فوري لاطلاق النار، ربما أملا في تحويل الضغط من جديد ناحية الحكومة الاسرائيلية، التي باعتقاد الفلسطينيين انها لن تلتزم ولا يمكن أن تلتزم بوقف النار أو على الأقل بالشروط التي تمت على أساسها الهدنة. فلا يعود بامكان أحد بعد ذلك أن يتهم السلطة الفلسطينية بالتقصير، وإنما عليه أن يوجه أنظاره ناحية الحكومة الاسرائيلية. وهذا التفسير ربما يملك بعض الوجاهة، خاصة ان وقف اطلاق النار نفسه لا ينص مثلا على وقف أساليب الاحتجاج السليمة والمقاومة المدنية للاحتلال الاسرائيلي، فهو يشدد فحسب على العمليات الانتحارية واطلاق قذائف الهاون وعموم النشاط المسلح. لكن قرار السلطة الفلسطينية لا يخلو أيضا من احتمالات سلبية. أبرزها انه يغامر بنقل التناقضات والتعقيدات على الأرض إلى مستوى الالتزامات المكتوبة، وما ينطوي عليه ذلك من استحالة التنفيذ وصعوبة التحقق. وبالتالي فهو قد يوفر ذرائع مستمرة لاسرائيل للتنصل من التزامها بموجب تقرير ميتشيل، ونعني بها وقف الاستيطان والبدء في مفاوضات السلام. فبامكان حادث أمني بسيط لا علاقة للسلطة الفلسطينية به أن يعيد الأجواء السياسية إلى المربع الأول. عدا ان اللهث المستمر حول ضبط الوضع الأمني الصعب، بما في ذلك عقد الاجتماعات واللقاءات والمشاورات، من شأنه أن يبدد جهود الفلسطينيين وطاقاتهم، ويوحي للمواطنين الفلسطينيين بأن مهمة السلطة قد انتقلت من جديد من مقاومة الاحتلال إلى حماية أمن إسرائيل. بالاضافة إلى ذلك كله تبقى احتمالات التصادم والاحتكاك بين أجهزة السلطة ونشطاء الانتفاضة واردة في أي مرحلة من مراحل تطبيق خطة تينيت. ومع ذطلك فهل يمكن القول ان وقف اطلاق النار الذي وافقت عليه السلطة الفلسطينية هو فخ نصب لها وللفلسطينيين؟ الواقع انه كان واضحا منذ البداية ان خيارات هذه السلطة تتمثل اما في دفع المواجهات إلى نهايتها القصوى والطبيعية أو اعادة ضبط الوضع وابقائه عند حدود معينة تقبلها اسرائيل، وهي فضلت الخيار الثاني شجعها في ذلك الحضور والتدخل الأمريكي القويين. ومن الصعب القول ان هذا كان فخا، لان الفخ يقع فيه الإنسان دون أن يدري اما ما فعلته السلطة الفلسطينية فقد كان عن سابق وعي وادراك، ويفترض انها أجرت حساباتها للواقع بصورة دقيقة. دون أن يقلل ذلك من حقيقة أن حيلها ازاءه كانت قليلة إلى معدومة. تشوش عربي مفهوم! على ان المسألة ربما تحمل قدرا لا يقل تعقيدا وتشويشا ان هي وضعت على المحمل العربي. وأقصد بذلك ان الدول والمجتمعات العربية عموما مطالبة بحكم علاقتها وارتباطها المعنوي والقومي مع الفلسطينيين بتقديم كل الدعم والمساندة لهم في مقاومة الاحتلال. ويملك الفلسطينيون الكثير من الحق في شكواهم المستمرة من ضعف هذا الدعم وقلته، ان كان سياسيا أو اقتصاديا. لكن جانبا من المسألة يقع أيضا على عاتق القيادة الفلسطينية. وبالعودة هنا أيضا إلى قرار وقف اطلاق النار، فان أحد الأسئلة المتوقعة هي: هل المطلوب الآن هو مساندة موقف السلطة ودعم الهدنة مع اسرائيل، أم مساندة موقف الجماعات الفلسطينية الداعية إلى استمرار الانتفاضة وتصعيدها بمختلف الوسائل والأسلحة؟ وألا يعني تشجيع هذه الجماعات أو مد يد المساعدة إليها، اضرارا بوقف اطلاق النار وتشجيعا على خرقه، ما يضع السلطة الفلسطينية نفسها في موقف الاحراج. وألا يعني صد الأبواب في وجه هذه الجماعات ومطالبتها بالتزام الموقف الرسمي الفلسطيني، تفريطا في الانتفاضة واسهاما في الخطط الاسرائيلية والأمريكية الرامية لقمعها، في نظر كثير من الفلسطينيين والعرب؟ إن كثيرا من النخب الفلسطينية وخاصة المرتبطة بحركة فتح والسلطة ترفض طرح مثل هذه الأسئلة وتعدها من قبيل الاهتمام بالشكليات والتعلق بالثانويات. وربما كان لدى هذه النخب بعض الحق في ذلك، لو ان المطروح من جانب السلطة الفلسطينية هو مثلا تكتيكا سياسيا واعلاميا في مواجهة آلة البطش الاسرائيلية وتفاديا لها، على نحو ما تفعل الحكومات الاسرائيلية المختلفة. لكن المشكلة هي ان الاتفاقات التي توقعها القيادة الفلسطينية هي ذات طابع رسمي دولي وسرعان ما تجد نفسها أسيرة للتطبيق، بما يبعدها عن شبهة التلاعب والتكتيكات. وعلى سبيل المثال فقد اعتبر وزير الشئون المدنية بالسلطة الوطنية الفلسطينية جميل الطريفي (18 يونيو) ان قدوم الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية حماس، إبراهيم غوشة إلى عمان على متن طائرة قطرية هو اجراء استفزازي للأردن. وقال بالحرف الواحد: نحن نعتقد ان هذا اجراء استفزازي للحكومة الأردنية قامت به جهات معينة من أجل احراج الأردن ونحن لا نقبل مثل هذه الطريقة في التعامل مع الدول وبالتالي نحن مع الحكومة الأردنية في هذا الموقف الأردني السيادي. وبالطبع مثل هذا الموقف لا يقال من أجل طيب خاطر الحكومة الأردنية، وإنما هو مقدمة ومؤشر على انزعاج السلطة من حركة حماس، أو بالأحرى انزعاج من اصرارها على خرق وقف اطلاق النار. ومن الواضح ان القيادة الفلسطينية لن تجد صعوبة في القادم من الأيام في ضبط عناصر حركة حماس أو الجهاد فحسب، لكنها ستجد صعوبة أيضا في ضبط أفراد ينتمون إلى حركة فتح نفسها. لقد ذكرت من قبل ان احدى نقاط الضعف في الموقف الفلسطيني عموما هي تعدد وأحيانا تناقض مصادر الخطاب السياسي الفلسطيني. وأعود لأقول اليوم ان هذا التعدد والتناقض يلقي أيضا بتأثيره السلبي على الموقف العربي من الانتفاضة الفلسطينية، وربما أوجد لبعض الحكومات العربية العذر للتهرب والتسويف من تقديم دعم حقيقي وملموس لهذه الانتفاضة دون أن يلومهم أحد في شيء. فالحكومات العربية لن تكون في نهاية المطاف أكثر فلسطينية من السلطة الفلسطينية. ـ كاتب بحريني