«.. قانون مور يقول بأن قدرة الحاسوب المخ الالكتروني بذكائه الاصطناعي تتضاعف حاليا مرة كل 18 شهرا..» في تفسيره للآية الكريمة من سورة الحجرات (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..) يفهم أبو عبدالله القرطبي رحمه الله في (الجامع لأحكام القرآن الكريم) لفظة التعارف على أنها التواصل بين الناس. ونحن نفهم أن أبجديات التواصل البشري تقوم على أساس لغة التفاهم المشترك.. ومن خلال التراكم الكمي، ومن ثم الكيفي لهذا التواصل المشترك بين الشعوب والأقوام.. تصدق على الانسان المقولة الشهيرة والصائبة في رأينا.. بأن الانسان حيوان.. له ذاكرة.. حيث الذاكرة الجمعية للشعوب تقف بها عند أبواب الابداع الثقافي ومن ثم التأسيس الحضاري. الإنسان.. واللسان ولقد كان وصول الانسان الى اللغة واستخدامه لها كشفا مثيرا، بل مذهلا في مراحل التطور البشري. واذا كانت حكمة الخلق كما أوضحها القرآن الكريم، قد اقتضت هذا الاختلاف بين القبائل والشعوب وبين الأمم والأقوام، ومن ثم جاء تعدد ألسنتهم وأدواتهم الاتصالية.. فقد واصل الانسان مسيرة الكشف والابداع فكان أن وقف عند الترجمة وهي في مادتها اللغوية التأويل والتفسير أو هي في معناها الاتصالي الاعلامي كما قد نسميه فك رموز الرسالة الاتصالية التي يكون قد تم وضعها بالأدق تشفيرها أو ترميزها في لغة الى حيث تعج مفهومه في لغة الطرف المستقبل (بكسر الباء) للرسالة. جسور التواصل وكم أمعنت البشرية في تجويد وتطوير وانعاش عملية الترجمة لكي تشكل جسور التواصل الثقافي المعرفي الحضاري عبر الزمان والمكان وكم أثمرت الترجمة في النسق الحضاري العربي الاسلامي على وجه الخصوص في تطوير الفكر والحياة العربية بشكل عام سواء منذ عصر المأمون العصر العباسي الثاني أو على مستوى حضارة العرب المسلمين في حقبة الأندلس الزاهرة التي دامت نحوا من ثمانية قرون من عمر الزمان. بين العصبة والمنظمة وفي اطار النظام الدولي المعاصر ذلك الذي تناهى الينا مع حلول القرن العشرين وشهد حربين كونيتين أفضت كل منهما الى قيام مؤسسة عالمية عصبة الأمم عام 1918 بعد الحرب العالمية الأولى ومنظمة الأمم المتحدة عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية في إطار هذا النظام قامت كل من العصبة والمنظمة لكي تشكل تجسيدا للاجماع أو فلنقل توافق الآراء بين العالم الراهن وأقوامه وشعوبه حول أجندة دولية هي بدورها رمز لعملية التفاهم والتواؤم أو فلنقل التعارف الذي يذهب اليه التعبير القرآني الذي أشرنا اليه في صدر هذا الحديث والذي يؤدي الى تفعيل هذا التعارف الدولي هو قنوات الترجمة التي تجري في مساراتها اللغات الرسمية الست التي تستخدمها الأمم المتحدة وهي من باب التذكرة ليس إلا الانجليزية والاسبانية والعربية والفرنسية والصينية والروسية. حيث الترجمة تتم بشكل تحريري مكتبي لأهم الوثائق والتقارير والدراسات والمستندات بما في ذلك المعاهدات وقرارات الهيئات الدولية المحورية وفي مقدمتها مجلس الأمن والجمعية العامة وما في حكمها. دور الترجمة الفورية أما المستوى الثاني للتعارف التواصل الدولي فهو بداهة الترجمة الفورية أو الشفوية ويقوم على أمرها مهنيون مدربون أكفاء وتتم من خلال عملية تتبّع (بالباء المشددة) لما يقوله المتكلم حيث يجهد المترجم الفوري لاهثا ومناضلا لكي ينقل الى السامعين ما يتفوه به بلغة السامع وفي حدود سبعين في المئة تقل أو تزيد من مجمل ما يقال وهي الحدود التي قد تسمح به الطاقة العصبية الانسانية اللهم إلا اذا زادت النسبة على يد مترجم (أو مترجمة) خارق الموهبة متوقد القدرات. ولأن البشرية في حال من الطموح الدائم والدائب الى الأفضل والأرقى، فمن دوافع هذا الطموح ما يحفر على نقلة نوعية وجذرية في مستوى التفاهم التعارف بين لغات البشر فوق كوكب الأرض. إنها نقلة من مستوى الترجمة الفورية أو الشفوية الى مستوى الترجمة اللحظية أو المتزامنة. هو المستوى الذي يرنو العلماء والاختصاصيون الى الوصول اليه بفضل ما طرأ من تطورات مذهلة بدورها على تكنولوجيا الترجمة الآلية الاوتوماتيكية التلقائية كما أصبحت تسمى وبحيث يستقبل السامع في لغته العربية مثلا ما يقوله متكلم في لغة أجنبية، الاسبانية مثلا شريطة أن يتسم هذا الاستقبال بوضوح كامل في المعاني واستيفاء تام للدلالات والظلال والسباقات (خذ بالك جيدا من حكاية الظلال والسياقات الى حد الايماءات والكنايات) فلا يضيع مثلا عنصر من عناصر جمال السبك أو الايقاع أو الزخم المعرفي أو الثراء الثقافي الذي كان يتسم به الأصل الأسباني، في المثال الذي سقناه بل يتم نقله الى العربية وقد أوفى النص حقه وضوحا ودقة وجمالا وبلاغة، ويتم هذا النقل بصورة لحظية تلقائية أوتوماتيكية وداعا إذن للمترجم أيام زمان الذي كان يتابع كتَّر الله خيره وأثابه خير الجزاء وقد يدون ملاحظة هنا أو خاطرة هناك وقد يستغرق لحظة أو لحظتين قبل أن يتولى نقل جوانب الحديث ما استطاع الى ذلك سبيلا. بساطة أكثر فإن ترجمة البشر من لغة الى أخرى مهما بلغت المهارة في سرعة النقل الفوري تقوم على عملية تفسير. أما ترجمة الآلة الاوتوماتيكية التي ندير عليها هذا المبحث فتقوم بالأحرى على عملية تحويل لحظية متزامنة من رمز لغوي مطروح الى رمز لغوي آخر مستهدف بطبيعة الحال. في هذا الاطار أصبح مطروحا في أسواق المستقبليات الاسم الذي نقترح أن نحفظه جيدا: ساتس. وهو الكلمة المستجدة المركبة من أوائل حروف عبارة تفيد في أصلها الانجليزي بما يلي: نظام الترجمة الاوتوماتيكية المتزامنة وبالمناسبة فهذا النظام مطروح قيد التطوير حاليا في كبرى شركات الحواسيب الالكترونية بحيث يقدم على استخدام برامج محسوبة غاية في التقدم ومن ثم الكفاءة تجسد بالطبع الذكاء الاصطناعي الذي جاءت به تكنولوجيا الحواسيب دون أن تتطلب العمليات المطلوبة أي نوع من أنواع التدخل البشري.. ومن ثم يمكن ادماج مثل هذه البرامج في البيئة الاجتماعية للبشر على اختلاف تخصصاتهم وأنشطتهم واهتماماتهم وهو ما يعني انهيار أو تبدد أو ذوبان حواجز العزلة اللغوية التي ظلت تفصل بين الأمم والشعوب في أنحاء العالم وتحول دون أن يتعارفوا بمعنى أن يتواصلوا ويتفاعلوا. فتح لغوي جديد نحن إذن أمام فتح جديد.. يمكن أن يطلق عليه اسم مستقى من تجربة التاريخ ولو من باب الأساطير: برج بابل الجديد. في الواقع هذا هو عنوان الدراسة الطريفة التي نشرتها مجلة المستقبلي (ذي فيوتشرست) في أحدث أعدادها الذي جاءنا مؤخرا على جناح البريد السوبر سريع (عدد يونيو 2001). أعد هذه الدراسة الأستاذ سام ليمان فلزج وهو متخصص في استخدامات الحاسوب الالكتروني في ميادين تطبيقية شتى تبدأ بالممارسة الديمقراطية ولا تنتهي باستغلال «معدات الترجمة الآلية من أجل تغيير العالم» على نحو ما تقوله المجلة المذكورة على صدر غلافها (مجلة المستقبلي تصدر شهريا عن جمعية مستقبل العالم ومقرها ماريلاند بالولايات المتحدة). بادئ ذي بدء يقف البحث الذي نلقي عليه لمحات الضوء في هذه السطور عند مصطلح «نظام» وفي هذا يقول كاتب الدراسة: نظام يعني أن المستخدم لن يتواصل مع برنامج حاسوبي واحد ولامع واسطة الكترونية بعينيها بل سوف يتواصل مع شبكة متكاملة تشمل مسارات شتى لنقل المعاني والدلالات والألفاظ على وجه رفيع من الدقة والاستيفاء والشمول من لغة الى أخرى. هذه الشبكة الحاسوبية تتألف من برامج للذكاء الاصطناعي وهذه البرامج سوف تعلم نفسها بنفسها.. بمعنى أنها سوف تنخرط في مدارج عملية متدرجة من التعلم من خلال التجربة والخطأ بالضبط كما يفعل الطفل الصغير وهو بسبيل تعلّم لغة أسرته ومن ثم اجادة هذه اللغة واتقانها. وعند منعطف ما من الدراسة المنشودة يستدرك كاتبها فيقول: إن عالم اليوم يشمل ما بين 5 آلاف الى 6 آلاف لغة محلية(!) وليس بوسع أي نظام الكتروني واحد أو وحيد أن يترجم هذه اللغات في آن معا. ولكن بالامكان أن تتواصل شبكات الترجمة الاوتوماتيكية اللحظية المتزامنة.. بحيث تتكامل جهودها ومن ثم يمكن تغطية عدد كبير للغاية، من هذه اللغات. تجربة الاتحاد الأوروبي وفي كل حال، وكما يوضح البروفيسور جون هتشنز من جامعة إيست انجليا في انجلترا وهو الأكاديمي المتخصص في هذا المجال- فقد قطعت نظم الترجمة الآلية أشواطا بعيدة من حيث فعالة ودقة الاداء ومن ثم ارتقت من مجال التجريب في مختبرات اللغات أو في أسواق الترويج على يد الشركات الكبرى المعنية (في مقدمتها شركة سيمنس الألمانية الى حيث دخلت بالفعل حيز الاستخدام الرسمي.. وفي دراسة نشرها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت (فبراير عام 2000) عن الترجمة في الوطن العربي (وتولى تحريرها كاتب هذه السطور) يذكر الأستاذ (جون هتشنز) أن المفوضية الأوروبية (في الاتحاد الأوروبي) تشمل أكبر نظم للترجمة الآلية وقد بدأ العمل بها منذ عام 1976 وقتها تطورت ونضجت وصححت أقطارها باستخدام شبكة تحمل اسم (نظام سيسترات تغطي احتياجات ترجمة الوثائق بين اللغات الأم لدول الاتحاد الأوروبي وإن كان الباحث الانجليزي يلاحظ أن النصوص القانونية ما زالت ترجمتها تتم بواسطة مترجمين بشر. الموعد عام 2015 ولكن فيما يتعلق بنظام ساتس الذي بدأنا به هذا المبحث.. وهو كما ألمحنا نظام الترجمة اللحظية المتزامنة باستخدام الأساليب الآلية التلقائية الاوتوماتيكية، فإن العالم يحق له أن يرتقب كما يقول الاختصاصيون ظهور نظام ساتس المذكور نحو عام 2015 بإذن الله.. بمعنى أن يحق للعالم أن يتهيأ للعيش في ظل برج بابل الجديد حيث البيانات والمكالمات والحوارات والأعمال الفنية الدرامية والفعاليات اللغوية، والأغاني (ناهيك طبعا عن خطب السادة الزعماء الملهمين ورؤساء الدول المحترمين ومن في حكمهم) كل هذا سيحق للعالم ساعتها أن يسمعه ويفهمه مترجما في نفس اللحظة الى كل لسان ينطق به هذا العالم. ولأن 15 سنة أو نحوها من حياة سكان الكرة الأرضية هي لمحة ليس إلا في سير الزمن فإن علماء المستقبليات يطلقون على هذه الفترة وصف (المستقبل القريب). وهم ينطلقون من هذا التقييم الموصوف بدوره بالتفاؤل من (قانون مور) وهو القانون الذي يتبعه صانعو الحواسيب والعاملون في مجال تطوير أجيالها وتعظيم قدراتها. (قانون مور) يقول أن قدرة الحاسوب (المخ الالكتروني بذكائه الاصطناعي) تتضاعف حاليا مرة كل 18 شهرا. وطبقا لهذا القانون استطاعت شركة أي.بي.إم للحواسيب الالكترونية أن تعلن مؤخرا أن سيكون بمقدورها عام 2005 إن شاء المولى أن تطرح في السوق واحدا من جيل السوبر كمبيوتر وسيكون بمقدوره الاضطلاع بما يبلغ تريليون عملية في الثانية الواحدة مقاربا بذلك يضيف الخبراء قدرة المخ البشري بالنسبة لمجال معالجة المعلومات الداخلة اليه بكل ما يكتنفها من تعقيد. ويزيد من رجعة التفاؤل ذلك الحجم الضخم من الاستثمارات الموظفة في تطوير هذه النوعيات من كائنات الذكاء الحاسوبي الاصطناعي. ويكفي مثلا أن نقول أن حجم المبيعات في صناعة تشغيل الحاسوب بالصوت (التعرف على صوت المستخدم) وهي صناعة ما زالت مستجدة بكل المقاييس يصل سنويا الى 1.3 مليار دولار. هدفان أساسيان كما يزيد من فسحة الأمل حقيقة الجهود المتواصلة حاليا للتوصل الى هدفين أساسيين في هذا المضمار: أولهما: التوسع في استخدام الاتصال اللاسلكي تحت شعار كمبيوتر بغير أسلاك. الثاني: مواصلة جهود تصغير الحجم الى حد التقزيم كما قد نسميه.. ونقصد بذلك حجم الحواسيب وسائر كائنات الذكاء الاصطناعي لدرجة أن تصبح محمولة وجوالة وسهلة النقل والتناول والاستعمال وهو ما يدخل بها من أوسع أبواب الاستخدامات في حياة الناس اليومية وأنشطتهم العادية وهو ما ينزل بها في الوقت ذاته الى متناول الانسان ذي الدخل المالي المحدود بعد أن يزداد الطلب عليها وتتسع أسواق تصريفها. والهاتف المحمول أو النقال الموبايل نموذج بليغ في هذا الصدد اذا ما قورن بأجياله الأولى في الثمانينيات من حيث السعر والكفاءة ومعيار الانتشار). بيد أن العاملين في مجال الترجمة اللحظية التلقائية لا يعنيهم في المراحل الأولى حكاية انتشار منتوجاتهم على هذا المستوى.. الشعبي أو الجماهيري أو السوقي كما قد نسميه.. لا يعنيهم كما قد نقول مثلا أن ترفع حواجز اللغة لحظيا بين عاشقين أحدهما صعيدي من سوهاج في مصر والآخر حسناء من بيونج يانج في كوريا الشمالية. إن القوم معنيون بالأثر العميق لثمار جهودهم المضنية على مجالات جوهرية من حياة الناس .. مجالات في مقدمتها الاقتصاد والادارة الحكومية والسياحة والبيئية والقضايا الاجتماعية والعلم والتكنويوجيا. هذه المجالات على وجه التحديد ما عكفت على تدارسها مجموعة عمل برئاسة البروفيسور ادوار كورنسن رئيس جمعية مستقبل العالم.. ويرد تفصيلها في الجزء الثاني المكمل لهذا المبحث بإذن الله. ـ كاتب سياسي من مصر