«الشعر ديوان العرب» تلك مقولة ذهب الزمان بها أو يكاد، فما عاد العرب أولئك العرب الذين كان يقلقهم بيت شعر، ولا يؤرق أجفانهم همهمة شاعرٍ يرجون ان يقول شعراً فيرفع شأنهم ويحرصون على رضاه كي لا يقول بيتاً فيضع من شأنهم حتى لا تقوم لهم بعدهم قائمة. الشعر الآن لم يعد هو ذلك الشعر، ذهب وذَهَبَ أهله، وبقي منهم متمسك بذلك المجد الذي ذهب للشعر يحاكيه وينظم على مثاله والناس عنه لاهون لا يفهمون عليه لأنه يستعمل لغة لم يعد لهم منها إلا كلمات الحياة العادية غير لغة الشعر والأدب. ولكن بقي الشعر في الذاكرة العربية على أقل تقدير، بقي حكمة تتضمنها قصائد غُرر تتوارثها الأجيال العربية، أو على الأقل تتوارث منها أبياتاً وشوارد. ذلك في الشعر العربي الفصيح فمن منا لا يستحضره بيت الشافعي كلما حَزَبه أمر: دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذا حكم القضاء ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء فكان له ذلك عوناً على مصيبته وعزاءً لكربته، فصبر لها صبر الشاكرين الظانين بالخالق ظناً حسناً. وكذلك هناك في الشعر العربي النبطي قصائد عصماء نسجت على منوال الشعر الفصيح لولا بعض تحلُّل من مذهب أهل اللغة الفصحى في النحو والصرف خاصة. ومن تلك القصائد الغرر في الشعر النبطي قصيدة للشاعر علي بن محمد الشامسي المشهور بـ «محين الشامسي» وهي قصيدة نظمها الشاعر على نمط الشعر العربي القديم وزناً ومضموناً فهي تأتي على وزن الرمل مستفعلن مستفعلن مستفعلن. وهكذا هو الشعر النبطي في الجزيرة العربية كان وما زال يسير على مسار أصله الفصيح، فهو لم يختلف عنه إلا في فصاحة اللغة، ولقد كان شعراؤنا الأوائل من أمثال محين الشامسي أقرب حتى في شعرهم النبطي من الفصاحة. يدل على ذلك استخدامهم لألفاظ وتراكيب تقترب من الفصحى أحياناً حتى تكاد تُقرأ فصيحة في قصيدته هذه التي مطلعها: طرق العلا لا تستخف بشأنها اعرف قبل تدبيرها ميشانها وإنه ليقترب من الفصحى أكثر حين يقول: إن القلوبَ إذا عَمَينَ عن الهُدى ما تِهتدي لْطِرْق الرشاد اعياتها المهم ان القصيدة طويلة فيها ذم للدنيا المتقلبة وفيها نصح كثير للحاكم والمحكوم على حدٍ سواء، ولقد قال شاعرنا قصيدته هذه موجهاً إياها إلى الأمير فيصل بن تركي وهو صاحب له اثر خيانة وقعت به من بعض من هم حوله، فقال: شِف كيف باروا بالمتَوَّج فيصل وجازوه بالسيّات عن إحسانها وهو قبل ذلك يحذر الناس من مغبة الانسياق وراء الشهوات وملذات الدنيا وكفر النعمة بمعصية الله بتعاطي الربا وشيوع الزنا ومنع الزكاة، ويوصي الناس بذلك وكأنه يوصينا نحن أهل هذا الزمان الذي شاعت فيه مثل هذه المعاصي برغم سعة النعمة التي وسعت كثيراً من ديار المسلمين. ويقرر بذلك حقيقة ولا بد لنا من الالتفات إليها وهي ان فساد الدار الذي نلحظه في كثير من بلاد المسلمين ليس بفسادها بل بفساد أهلها الذين لم يؤدوا شكر النعمة كما ينبغي فيقول: يا سامعٍ فالشعر بعضه حكمه تفهم له العِقّال مع فِطَّانها إن كنت ذا مالٍ وصاحب ثروه وتخشى على نِعْمَتك من دبرانها فأد واجبها واظهر شكرها وحدّث بها واعرف ترى نقصانها فعل المعاصي والربا ثم الزنا ومنع الزكاه إلى حِضَر ميحانها وان كنت ذا مالٍ وصاحب دوله وتخشى على منصبك من عدوانها اعدل بملكك والشريعة قم بها وانصف ضعيف الناس من شرفانها وإذا تكاثر الفساد بديره والفيت اهلها فاشيٍ عصيانها ارحل فأرض الله واسعة الفضا ولا تهمك أهلها وجدرانها فلا فساد الدار من عتق البنا إلاّ فساد الدار من سكانها