ما يجري في واشنطن تتردد أصداؤه في غابات بحر الغزال. يتخذ مجلس النواب الأمريكي قرارات.. وعلى بعد آلاف الأميال في جنوب السودان يتولى جيش قرنق التنفيذ على الأرض. والمحور الأعظم للمسألة كلها هو النفط السوداني. خلال الاسبوع الماضي وقع في واشنطن تطور حاسم يشي بأن تحالف اليمين المسيحي واللوبي اليهودي الذي يقف وراء حركة قرنق قد انتصر في صراعه مع نادي شركات النفط الأمريكية الذي يدعو إلى وقف الحرب في جنوب السودان. هذا التطور الحاسم يعني عمليا اعلان حرب على السودان.. أو بالأحرى الشمال السوداني. فقد أجاز مجلس النواب الأمريكي قانونا خاصا بشأن السودان يشتمل على بندين محددين بوضوح تام: أولا: تخويل الرئيس الأمريكي «اتاحة» عشرة ملايين دولار لجيش قرنق. ثانيا: حظر تسجيل شركات النفط الأجنبية في بورصات الأسهم إذا عملت في التنقيب عن النفط في السودان (علما بأن هناك حظرا أمريكيا قائما بالفعل على عمل شركات النفط الأمريكية في السودان). إن الهدف من هذا القانون الأمريكي واضح.. وهو نسف مشروع النفط السوداني وبالتالي حرمان حكومة السودان من العائدات المالية المتصاعدة للصادرات النفطية.. وذلك بغرض منع الشمال من حسم الحرب لصالحه مع الابقاء عليه كسيحا من الناحية الاقتصادية. وعلى الأرض يتناغم جيش قرنق مع هذا التحرك الأمريكي واعدا بأنه سوف يسيطر على حقول النفط في الجنوب، كما أعلن في مقابلة مع صحيفة عربية لندنية. وهذا مما يفسر لنا التصعيد العسكري لجيش قرنق خلال الاسبوعين الاخيرين في اتجاه مناطق للتنقيب عن النفط في الجنوب. ويأتي التحرك الأمريكي على صعيد الكونجرس في أعقاب اجتماع خمسين منظمة أوروبية وأمريكية ذات صلة عمل باليمين المسيحي الأمريكي واللوبي اليهودي، أصدرت بيانا في باريس طالبت فيه بوقف فوري للنشاطات النفطية في جنوب السودان. وقبل اصدار هذا البيان وبعده واصلت هذه المنظمات المسيحية ارسال شحنات بالطائرات إلى جنوب السودان تشتمل على امدادات سلاح وامدادات غذائية وطبية إلى قوات قرنق. رغم ذلك فان التصعيد العسكري لقوات قرنق ليس بالخطورة التي يبدو بها رغم الدعم الأمريكي. ولكي نتبين هذه الحقيقة علينا أن نعيد إلى الأذهان أن هناك منطقتين للنشاط النفطي في السودان: حقول «هجليج» في الشمال، وتقع في جنوب ولاية كردفان.. وحقول «عدراييل» في الجنوب وتقع في ولاية الوحدة. وهذه المنطقة الأخيرة ـ عدراييل ـ التي تستهدفها قوات قرنق ذات أهمية استراتيجية واقتصادية أدنى لانه ببساطة لم يبدأ بعد انتاج النفط فيها. فالكميات النفطية التي تنتج على أساس يومي وتعتمد عليها الحكومة في تصدير الخام والاكتفاء الذاتي الداخلي من المحروقات تأتي من حقول هجليج.. وهذه المنطقة لم يفكر قرنق بعد ـ حتى مجرد تفكير ـ في استهدافها. فماذا يعني هذا؟ أي ماذا يعني ان التصعيد العسكري لقوات قرنق يتجه صوب منطقة نفطية جنوبية لكنه يعزف عن استهداف المنطقة النفطية الشمالية؟ هل يعني ذلك ان المخطط الأمريكي الموضوع لحركة قرنق هو فصل الجنوب السوداني لاقامة دولة مستقلة يمكن أن تعتمد على منطقة نفطية واعدة داخل أرضها؟