اصبح النفاق فناً من فنون الحياة الحديثة أو العصرية وهو أسهل وأضمن الطرق للوصول الى الثراء والشهرة وحصد المناصب دون مجهود ودون تعب.. والمنافقون لهم أساليبهم وطرقهم التي لا يستطيع غيرهم ان يستخدمها ما لم يكن موهوبا وما لم يكن من أولئك الذين كشفوا سر خلطته العجيبة. والمنافق رجل أملس ناعم كالحية يستطيع أن يتسلل بين أكثر المناطق تشابكا وتعقيدا ويجيد مسح الجوخ لكل أصحاب النفوذ ومن بيدهم الأمر. يداه دائما في حالة استعداد للتصفيق والتهليل اذا ما تحدث المسئول ولا يمكن أبدا أن يعارض أو يبدي رأياً يخالف رأي سيده وهو على استعداد دائم أن يقول ان ما يسمعه صحيح مئة بالمئة اذا كان المتحدث هو رئيسه وسيده.. دائماً يهلل للسلطة أيا كان موقعه فاذا كان كاتبا فهو في صفها دائما واذا كان مطربا فهو منشدها الذي لا تكل حنجزته ولا تمل، فاذا اتجه اصحاب الأمر يساراً سارع واطلق على نفسه اسم اليساري الأكبر واذا اتجهت يميناً كان أول من يلعن اليسار وسنينه، واذا تجرأ أحدهم وعارض أسياده سارع يكتب ويكتب لاعنا هؤلاء المردة الذين اعترضوا على أمر أو سياسة وافق عليها أسياده لأنهم حفنة من الأوغاد الذين يريدون بالبلاد شر البلاء بل ويطالب بطردهم كنوع من اظهار التملق والنفاق لمن اعطوه الكلمة وأورثوه الأوراق. واخطر هؤلاء المنافقين دائما هو الكاتب أو الصحفي أو المثقف انه الوحيد بين أبناء أمته الذي يستطيع أن يعبر عن رأي الأمة ويرشد قراءه الى الاتجاه الصحيح وهو ايضا الذي يستطيع ان يقول على صفحات الجرائد والمجلات ان البلاد تعيش عصر التقدم والنهضة وان الجميع راضون والطهارة تعم كل الارض وان الناس تعيش في عصر زهوتهم وهو عصر ليس كمثله عصر من حيث النقاء والصفاء والود والمحبة وان من يخرج على هذا الاجماع هو حاقد موتور يجب عزله أو التخلص منه حتى لا يفسد المجتمع الطاهر النقي بكلامه وسمومه التي ينشرها بين البشر.. ان الكاتب هو ذلك الانسان الذي يستطيع ان يحرك الراكد وان يوقف الظالم وان يقول للمخطئ أنت مخطئ في عينه وليس كل من صعد نجمه من الكتاب أو الصحفيين افضل من غيره لكنه بالتأكيد كان أكثر فهما لظروف عصره وزمانه الذي يعيشه واستطاع ان يمسك العصا بكل مهارة.. لأنه منافق، والمنافق تصنعه المناخات السيئة، والنفاق قائم في الارض الى يوم الدين ولا يقضي عليه وينهيه من الوجود الا الحرية، فالحرية تصنع المعجزات لأنها تحرر أول ما تحرر العقل، وعندما يتحرر العقل يبدع وعندما يبدع يتقدم وساعتها لن يكون هناك مكان لمنافق سواء أكان كاتبا أو مفكرا أوسياسيا لأن الحرية هي المبيد الوحيد للفساد والنفاق.