سواء تحبها أو لا تحبها، فهي قد أصبحت (أم الدنيا) وبالطبع هناك من سيحتج بأن تلك الصفة لصيقة بمصر لأنها تحملها منذ فجر التاريخ، ولكن المشكلة أننا لا نتحدث هنا عن التاريخ، وانما عن الحاضر وبعض المستقبل، حتى لا يغضب أحد فيمكن القول بأن مصر بلا شك هي (جدة الدنيا)، أما أمريكا فهي الأم المعاصرة المتحررة التي كلما ازدادت نضجا ازداد عشاقها ومريدوها. وقد لا يبادلنا الامريكيون الحب، فهم عمليون، واقعيون، والمسألة عندهم حساب وليست عواطف، ولا يهمهم كثيرا مسألة (أم ا لدنيا) أو أية صفة أخرى، فالمهم هو أن تظل أمريكا سيدة الدنيا، لذلك لا ينبغي أن نتألم من نظرة بعضهم الينا، أو ما يقولونه عن المجتمعات الأخرى، فهم لا يرون سوى أمريكا، فهي بداية الكون وآخره، وهي المكان والزمان، الأمريكيون يعتقدون في أن كل ما أعتادوا عليه في حياتهم يخضع بشكل مستمر للتغير. لذلك فهم في حالة لا تهدأ، ويقول البعض ان السبب في ذلك أن أمريكا هي (العالم الجديد) الذي يتم بناؤه ولكنه أبدا لا يكتمل ولقد ذكر توسكفيل: (أن الأمريكي قد يبدأ في بناء منزل كي يعيش فيه اثناء شيخوخته ، ولكنه سوف يترك هذا المنزل قبل أن ينتهي من بناء سقفه)، بينما قال هنري فورد: (نحن نريد أن نعيش في الحاضر). إن هذه الدولة العظمى عبارة عن نسيج أو خليط من مجتمعات مهاجرة، وهي بالفعل عبارة عن متحف للإنسانية، فهل نجحت أمريكا في القضاء على العادات والتقاليد الوافدة مع المهاجرين، وماهو أثر الديمقراطية وأثر الحرية الاقتصادية في تذويب الفوارق بين الطبقات، وهل تنجح تلك الوصفة الأمريكية في المجتمعات الأخرى؟، تلك اسئلة مهمة ولكننا لن نستطيع في حدود هذا المقال أن نجيب عليها جميعا، ولكن يمكن أن نحاول الاقتراب بعض الشيء. لقد اخترع المجتمع الأمريكي ديانة جديدة طقوسها هي العمل الشاق وربما هو الدولار، وهي في نفس الوقت قيمة الإنسان نفسه، فالإنسان في هذا المجتمع تقدر قيمته من خلال العمل الذي يقوم به، والأموال التي يملكها. وفي الواقع فإن تدهور العادات والتقاليد مع زحف القيم الرأسمالية لم يترتب في المجتمع الأمريكي وحده، ويمكن ملاحظته في أوروبا، بل وبدأ يؤثر على الحياة في اليابان التي كانت تعتبر دائما أشد المجتمعات محافظة. ورغم الثراء الشديد الذي يتمتع به المجتمع الأمريكي ككل فإن الفارق في الدخل بين الاغنياء والفقراء لا يزال كبيرا، فلا يزال المجتمع الأمريكي الأسود في قاع المجتمع الأمريكي، بل أن المهاجرين الجدد من آسيا وأمريكا اللاتينية يتقدمون على الزنوج في احتلال مواقع متقدمة في الهرم الاجتماعي. ولقد كان معدل زيادة السكان في أمريكا خلال الخمسينيات من هذا القرن 1.9%، بينما أصبح حاليا أقل من 1%، ورغم ذلك يمكن ملاحظة تفشي ظاهرة الجريمة، والشكوى من تدهور التعليم، الانحلال الاخلاقي. ولكن هناك بعض فئات المهاجرين ذات التأثير الأشد في السياسة الأمريكية فمن المألوف أن المرشحين الذين يأملون الفوز في الانتخابات الأمريكية يجب عليهم كجزء من العلاقات العامة أن يقوموا بثلاث رحلات رمزية الى 3أ (أو الثلاث بلاد التي تبدأ اسماؤها بحرف الالف ايطاليا، وأيرلندا، واسرائيل) Three I's..Italy, Israel . ولكن يبقى أن الخليط العرقي لا يزال متمايزا، فمن الملاحظ اتجاه نوعيات بعينها إلى أشكال معينة من النشاط الانتاجي، فالمهاجرون الكوريون احتلوا معظم محلات البقالة، والصينيون مهندسون، واليهود يسيطرون على الجامعات ومراكز المال والاعلام، والهنود بشكلون جزءا كبيرا من العاملين في المستشفيات.. الخ.. والمهاجرون الذين يفدون حاليا إلى أمريكا، لا يأتون من أوروبا مثل الهجرات الأولى، ففي احصائية حديثة، اتضح أنه في العائد السابق هاجر الى أمريكا أكثر من 1.5 مليون من آسيا ومايزيد على 900 ألف من المكسيك وأمريكا اللاتينية، بينما قدم من أوروبا حوالي 850 ألف مهاجر فقط. ولقد كان السؤال الذي يواجه المهاجر الجديد هو: (ماهي أفضل استراتيحية للعيش في هذا المجتمع الجديد، هل هي الانصهار فيه، أم التمايز عنه؟.. لقد استغل المهاجرون اليهود فكرة الانصهار (بوتقة الانصهار)، والتعليم كي يحرزوا موقعا متقدما في المجتمع الأمريكي (وأعتقد أن التجربة اليهودية تستحق بالفعل التأمل والدراسة في مجال الموضوع تحت الدراسة). ومن ناحية أخرى فإنه من الصعب أن نتصور أن مشكلة التفرقة العنصرية قد انتهت بالقوانين التي صدرت في مواجهتها خاصة في فترة الستينيات، لأن المشكلة لم يخلقها قانون حتى نتصور أن قانونا آخر قد يلغيها، فلا تزال الفكرة العنصرية ضاربة بجذورها في بعض قطاعات المجتمع وخاصة في الجنوب، ولا يزال الإنسان الملون يشعر في أعماقه بأنه ضحية ذلك المجتمع. وهناك شبه اجماع بين المحللين على أن أمريكا تعاني من مشاكل اجتماعية خطيرة، لعل أبرزها تفكك الأسرة، حمل الأطفال، المخدرات، إدمان الخمر، حرية الجنس بين المراهقين، الايدز.. الخ، وبالطبع لا تبرز هذه المشاكل الخطيرة حاليا لسبب بديهي وهو أن الدولة قوية. ولا تزال بالقصور الذاتي تخفى في تلك القوة تلك البذور الخطيرة التي تتهدد مستقبلها. ولكن علينا أن نأخذ هذه المظاهر بحذر، فهي وإن كانت تعكس بالفعل السطح الخارجي الذي يمكن لأي زائر أن يلمسه، فإن هناك تحت السطح تيارا محافظا قويا، لأن المحافظين يشددون الدعوة للعودة الى القيم الدينية والأخلاقية، ومع ذلك يعيبهم في نفس الوقت أن ذلك يرتبط في اذهانهم باضطهاد الملونين، ولا يعترفون بتبرئة اليهود من دم المسيح، ومن ناحية أخرى فإن تلك المظاهر لا تنفى الامكانيات المادية الضخمة لهذه الأمة، أو قدراتها العسكرية التي لا تبارى، واذا كانت الحضارات (تولد وتنمو وتكبر وتشيخ ثم تموت)، فإن الأمريكيين لا يرون حضارتهم من هذا النوع الفاني، فهي حضارة ولدت شابة وستبقى كذلك الى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأمريكا بالنسبة لقطاع كبير من الانتلجينسيا العربية تمثل تجسيدا لعلاقة (حب/ كراهية)، والحب (كما هو مألوف) انبهار يؤدي الى المبالغة في محاسن المعشوق، فيصبح (كل ما يأتي من الغرب يسر القلب)، أما الكراهية (على العكس) فهي دراسة باردة أكثر موضوعية، تدرك عناصر التعارض والاختلاف بين تلك الحضارة المادية وبين حضارة الشرق المختلفة، وبالتالي فإن (كل مايأتي في الغرب، ولا القلب، لذلك فمن الطبيعي أن تجد حفنة من المثقفين العرب يتحلقون مائدة في مطعم للهامبورجر وهم يلعنون أمريكا ويدخنون السجائر الأمريكية، ويفضلون العيش بالأسلوب الأمريكي، وليس عجيبا أن تجد أشد المنتقدين للسياسية الأمريكية، أكثر المهرولين الى الجامعات والمنتديات الأمريكية.. كل ذلك ليس عجيبا أو غريبا، وليس أعراضا لمرض نفسي عضال، فأمريكا تشبه (سي السيد) في رائعة الأديب نجيب محفوظ، رغم كل قسوته وفظاظته فهو المهاب المحترم، وطاعته واجبة بلا مناقشة، وهو مثال الحرية المطلقة بلا حدود، بغض النظر عن استبعاد الآخرين. ومع كل ذلك، فهناك قطاع لا يستهان به من أهل الرأي والحل والعقد ويرى أن يمكن التأثير على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، البعض يرى ذلك ممكنا من خلال الحوار، والبعض الآخر لا يراه ممكنا الا من خلال المواجهة والصدام، ودون الدخول في تفاصيل الجدل العقيم بين الفريقين، فلعل صفوة القول تقودنا الى أن (سي السيد) لا يرى الشرق الأوسط الا من خلال حدقته الكونية، ولن يجد أي مبرر للمبادرة بتغيير سياسته الا اذا تأكد من احتمال وجود تهديد مؤكد لمصالحه الكونية، وانه لا يمكنه احتواء ذلك التهديد، سواء بالاختراق أو بتهديد أقوى، أما الشعب الأمريكي الصديق فانه لا يتأثر الا بما يؤثر على محفظته، وليس من المنظور أن ينجح الشرق الأوسط في سحب مدخراته الهائلة في البنوك والاستثمارات الأمريكية، وليس متوقعا أن تتخلى شعوب الشرق الأوسط عن رفاهية الحلم الأمريكي، مجرد الحلم ولو تمثل في مجرد عبق السيجارة الأمريكية أو تحزيق البنطلون الجينز أو مجرد وجود أمريكيا كشماعة يتم تعليق العجز والاحباط عليها. لقد نجحت أمريكا في تسويق ثقافة الاستهلاك الى العالم كله، لدرجة أن (الكوكا كولا) أكثر شهرة من (ارثر ميللر)، بل ان الرئيس الأمريكي نفسه يتم (تسويقه) في فترة الانتخابات كسلعة. وربما تبدو فكرة التأثير على السياسة الأمريكية من خلال الحوار أكثر اعراء، باعتبار أن تلك لغة أكثر تحضرا من لغة الصدام والمقاطعة والمواجهة، ولكن السؤال الذي يبدو بلا اجابة هو: كيف يمكن تسويق هذا الحوار، اذا كنا قد عجزنا عن استخدامه فيما بيننا؟، ومن ناحية أخرى فلابد من التسليم بأن المقاطعة وحدها هي سلاح سلبى قد يرتد بالفعل الى نحر من يستخدمه، لذلك فإن بداية الخيط تكمن في بناء استراتيحية حقيقية تجمع كل هذه العناصر كي تجدل منها مايمكن أن يكون سياسة ناجحة. ـ كاتب مصري