تتأهب مدينة ديربان في جنوب أفريقيا لاستضافة مؤتمر مناهضة العنصرية، الذي سيعقد في أواخر أغسطس المقبل بمعرفة لجنة حقوق الإنسان بالامم المتحدة. وبعيدا عن ديربان، راحت أطراف دولية كثيرة تعد ملفاتها وأوراقها الثبوتية تجاه واحدة من أبرز القضايا المطروحة على جدول الأعمال الأممي. ولأن الولايات المتحدة واسرائيل تبدوان في مثل هذه المناسبات كالمريب الذي يكاد يقول خذوني، فقد أظهرتا انشغالا مبكرا بأجندة المؤتمر، فإسرائيل توقن بأنها سوف تكون مدانة بالأصالة، بسبب سياستها وسلوكها العنصري الفج ازاء العرب عموما، وازاء الفلسطينيين بخاصة الذين يخضعون منهم لمواطنيتها منذ 1948 أو لاحتلالها منذ 1967 والولايات المتحدة تدرك أن الادانة ستلحق بها بالوكالة أو بالانابة، كونها العراب والحامي الأكبر للطرف الاسرئيلي على الرغم من معرفتها بعنصريته. كانت واشنطن قد سعت الى منع التئام المؤتمر كليا. وهي مارست ضغوطا على المفوضية الدولية لحقوق الإنسان (ماري روبن سون) لهذا الغرض. ولما لم تفلح في ذلك، نظرا لصلابة روبنسون ووقوف أنصار مناهضي العنصرية الحقيقيين خلفها، لجأت واشنطن إلى طرق التفافية وأساليب احترازية أخرى. أولها، العمل على تضييق دور المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان ومكافحة التمييز العنصري. وثانيها، محاولة اقناع المنظمات المشاركة بعدم اثارة القضايا العربية وفي مقدمتها بالطبع الممارسات الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني. ويدخل في هذا الاطار الذهاب الى تجريب احتمال شراء سكوت هذه المنظمات بالوعد والوعيد، وثالثهما، الطلب الى بعض الدول المشاركة رسميا عدم اثارة القضية الفسطينية برمتها في جلسات المؤتمر وعلى هامشه. الذي يفهم من هذا الاصرار الأمريكي على تخريب المؤتمر أو حرفه عن مسعاه، طالما كان من الصعب الغاءه من الأصل، أن واشنطن تعي جيدا حجم الاحراج الذي ينتظرها في رحابه. فهي إن ناصرت اسرائيل ضد موجة الغضب العالمي من ممارساتها البغيضة، لاسيما في غضون الانتفاضة الأخيرة التي عممتها الفضائيات فسوف تؤكد عزلتها وازدواجية معاييرها في خطاب حقوق الإنسان. أما إن تخلت عنها، وهو بديل شبه مستحيل، فقد تجعلها عرضة لتجديد العمل بقرار اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية الذي أسقطته الضغوط الأمريكية في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991 وهذه هزيمة لا تحتملها واشنطن، علما بأن هناك نوايا عربية لاحياء هذا القرار، باعتبار أن اسرائيل مازالت بسياستها العنصرية تثير الحيثيات التي اتخذ على أساسها القرار عام 1975. على كل حال، فإن الموقف الأمريكي من المؤتمر، يمثل استفزازا صريحا للمشاعر العربية الملتهبة من العنصرية الصهيونية الاسرائيلية في هذه المرحلة بالذات. وهو أمر يستحق أن يلتفت اليه العرب عبر الجامعة العربية رسميا، ومن خلال الأطر المدنية وغير الحكومية شعبيا. على أن الضغوط الأمريكية الصر يحة والاحترازية بنماذجها المذكورة ليست كل شيء. هناك نمط آخر من الضغوط اللامنظورة ليس من الحكمة استبعادها من السياق. ومن ذلك ما تروج له الأوساط الصهيونية، مدعومة ببعض المتصهينين العرب، حول الصلة السابقة بين النازيين وقيادات وطنية وقومية عربية بارزة ابان الحرب العالمية الثانية. ويذهب هؤلاء الى أن هذه القيادات كانت في معظمها منحازة الى معسكر دول المحور. وبناء عليه، لا ينبغي لخلفائهم وذريتهم أن يكتفوا بوسم الصهيونية بالنازية في الوقت الراهن لأن ذلك يعني أنهم يكيلون بمكيالين! يود أصحاب هذا الرأي الخبيث التشويش مسبقا على (نظرية المساواة بين العنصريين والصهيونية والنازية)، وهم يوقنون تماما أنها سوف تثار عربيا داخل المؤتمر. وفي تقديرهم أن التلويح بالعلاقة القديمة بين بعض الوطنيين والقوميين والنظام النازي، سيردع دعاة هذه النظرة المزعجة بشدة لاسرائيل ومحازبيها في عالم الغرب بعامة. ضمن الرد على سخافة هؤلاء المرجفين، نلاحظ كيف أنهم يخلطون بين مستويي الحركة والفكر في علاقة بعض الوطنيين والقوميين العرب بمعسكري المحور والحلفاء. فتفضيل معسكر المحور انطلق في حينه من العمل بمبدأ قديم في العلاقات الدولية حركيا هو أن (عدو عدوي صديقي). أما الايمان والقناعة بالفكر النازي أو الفاشي فهو شأن آخر تعرفه الحركة الصهيونية بكل تأكيد. وللتذكير، نقول ان أحدا من قياديي القومية العربية القدامى والمعاصرين لم يدع يوما لابادة اليهود أو التطهير العرقي بحقهم، مثلما فعلت النازية جدلا بحق اليهود سابقا، أو مثلما تفعل الصهيونية بحق العرب (الفلسطينيين بخاصة) منذ أكثر من قرن. ونقول أيضا لمن يحاولون التذاكي، أن العلاقات الدولية تعرف التحالف بين المختلفين والمتناقضين فكريا مراعاة لموازين القوى والمصالح. (مناصرة الاتحاد السوفييتي للعرب ذات مرحلة، لم تعن اطلاقا قناعة الشركاء العرب أو التزامهم بالفكر الشيوعي..).وهنا يمكن الاشارة بملء الفم الى عيب الصهيونية (وكيانها السياسي اسرائيل)، فهي أخذت نظريا وعمليا، فكريا وحركيا، بالنازية. وهذا شأن موثق وله مؤشرات بادية لكل ذي بصيرة. بل ولدينا ما يؤكد أن الصهيونية واحدة من أمهات النازية، كونها أسبق فكريا أو تنظيميا، غير أن لهذا الأمر مقام آخر. مايعنينا الآن وصولا الى يوم ديربان، ضرورة التعبئة والحشد، كي يكون المؤتمر مناسبة أخرى لفضح الدعوة العنصرية الصهيونية، وبيان انحرافها عن جادة السوية الانسانية والحقوقية، والتشهير بأنصارها أصحاب المعايير المزدوجة تجاهها وتجاه النازية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة