أسرَّ إليّ صديق مقرب جدا من سلطات عليا في أحد بلداننا العربية الكبيرة بأن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين كان على مرمى سهم من التنفيذ، إبان الأشهر الأخيرة من حكم إيهود باراك، ولم يكن ذلك في شرم الشيخ، بل قبله بأسابيع، حتى أن هذا الصديق يقول: «لقد كنت في حيرة من أمري، فهذه القضية التي أفنينا عمرنا ونحن نتابعها، بدا للجميع في ذلك الوقت أنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى محطتها النهائية». ولم يتحقق الأمر كما اعتقد الصديق، فقد تعقدت الخيوط ثانية، لكن خبيرا أمريكيا زار الكويت أخيرا أجاب عن سؤال لي حول ما حدث في كامب ديفيد، وقد كان مطلعا على أسرار المحادثات، فقال (وهو بالمناسبة متعاطف كثيرا مع القضية الفلسطينية)، إن الرئيس كلينتون قد عرض عرضا متوازنا على الرئيس عرفات. صحيح أنه لم يكن يحقق كل ما يتمناه أو يطلبه هذا الأخير، ولكنه كان عرضا معقولا. إلا أن السيد ياسر عرفات قد أخطأ خطأ تكتيكيا عندما رفضه، ولو كان قبله على شرط أن يقبل إيهود باراك النقاط المعروضة نفسها، لكان الآن في موقع إما أن يحصل فيه على الكثير، وإما أن يظهر للعالم أن الإسرائيليين غير جادين في سعيهم إلى السلام، وبالتالي يكسب تعاطف الرئيس الأمريكي. الغرف المغلقة والآن، وبعد سقوط عدد كبير من الضحايا وعدد أكبر من التضحيات، يعود الجميع إلى ما قبل كامب ديفيد، وما قبل شرم الشيخ، مما يجعلنا نشعر وكأننا لا نزال نراوح عند خط البداية، فأين الخطأ إذن وأين الصواب؟ يبدو من سير الأحداث أن ما يقال في الغرف المغلقة بخصوص قضية الشرق الأوسط شيء، وما يقال للجمهور على شاشات التلفزيون شيء آخر، ويبدو أيضا أن التباين بين هذا وذاك يتسع أحيانا، ويضيق حينا بدرجات لا يفطن إليها ويخبرها إلا أهل الخبرة والعالمون بكيفية سير الأحداث . ولكن ما الصورة القريبة من الواقع؟ يبدو أن الاتفاقات الأولية في كامب ديفيد، ثم محادثات شرم الشيخ التي سبقت خسارة حزب العمل لمقاليد السلطة في إسرائيل، تمثل قاعدة السؤال الذي يحتاج إلى إجابة، وهو: لماذا الآن؟ ولماذا لم يكن هذا الاتفاق مقبولا في السابق؟ الإجابة تكمن في الفرق بين الغرف المغلقة والفضاء السياسي المفتوح، وبالتالي الفارق بين ما يقال هنا وما يمكن أن يقال هناك. والنظرية تقول إن كلا من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وجد أنه من الصعب أن يسوِّق لجهته مجمل الاتفاقات التي توصل إليها - في الغرف المغلقة - مع الطرف الآخر، ولأنه كان يتعين إقناع الجمهور العام على كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بأن هذا الاتفاق هو أفضل من أي بديل آخر، فلم يكن ثمة مفر من تجربة هذا «البديل الآخر»، وهو العنف، فتوجه الناخب الإسرائيلي إلى انتخاب من يعتقد أنه يمكن أن يوقف الانتفاضة الفلسطينية باستخدام آلة العنف الإسرائيلية. وعلى الجانب الفلسطيني جربت الجماهير عمق المواجهة وصرامتها وقساوة مسلسل القتل اليومي والحصار المدمر. بعد هذا يجيء دور التهيؤ النفسي للحل، وبعد أن تذوق الطرفان في الأشهر الثمانية الماضية طعم المرارة، وعايشا ضراوة الموت والخراب هنا وهناك، حيث يصبح في إمكان كل فريق أن يعيد تسويق الاتفاقات السابقة لجماهيره التي تكون قد تهيأت لتقبل الحل المطروح على مائدة التفاوض، للخروج من مأزق التدمير والتدمير المضاد الذي يقود - إن استمر - إلى كارثة. قواعد اللعبة ولقد لعب الطرف الأمريكي هنا دوره بالكامل، فقد امتنعت إدارة جورج بوش الابن عن التدخل النشط في معركة التهيئة، وأصرت علنا على أن تدخلها سوف يكون ممكنا فقط حين يكون الطرفان مهيأين للتسوية، حفاظا - في الظاهر - على مكانة الرئاسة الأمريكية، التي ترى إدارة بوش أن الإدارة السابقة الديمقراطية، بقيادة الرئيس كلينتون، قد صغرت شأنها من خلال التدخل في كل كبيرة وصغيرة، حتى غدا جهد رئيس الولايات المتحدة (الدولة العظمى الأولى) ينحصر في دور ساعي بريد بين الطرفين المتنازعين، كما أن هذا الدور - الصغير - قد أفقد الإدارة قدرتها على الضغط على أي من الفريقين. يبدو أن الغرف المغلقة قد وجدت أنه من الضروري تهيئة الجمهور لقبول الاتفاقات القادمة، في الوقت الذي صدق الجمهور - ربما من الجانبين - أن الطرف الإسرائيلي يمكنه كسر عظم الانتفاضة، وأن الطرف الفلسطيني - على الجهة الأخرى - يمكنه الاستمرار في المقاومة دون سقف زمني، وإن كان الاثنان، حسب قواعد اللعبة وتوازن القوى، لا يستطيعان إلى ذلك سبيلا. إصرار القيادة الفلسطينية على وجوب تدخل الولايات المتحدة، إلى درجة قبول خطة ميتشيل وتعديلاتها التي قررها مدير المخابرات الأمريكية جورج تينيت، إنما يعطي انطباعا للمتابع يتناقض مع ما يطرح في الشارع من لعن لأمريكا وخططها، التي جاءت أقل حتى من المبادرة المصرية - الأردنية المشتركة، وهي قناعة لدى القيادة الفلسطينية، ربما يكون لها الحق فيها لجهة الاعتقاد بأهمية الدور الأمريكي في ضمان أي اتفاق تقود إليه المر حلة المقبلة. قد يتبادر إلى الذهن سؤال، وهو: هل يمكن لشارون - بما عرف عنه من صلافة - أن يدخل في مفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق معقول مع الفلسطينيين؟ والإجابة قد تكون قريبة من القول إنهم وحدهم المتشددون القادرون، تحت غطاء هذا التشدد، أن يقدموا تنازلات تبدو وكأنها انتصارات، ونذكر في هذا الأمر مناحيم بيجن الذي وقع أول اتفاقية سلام مع طرف عربي، كما نذكر صدام حسين الذي قلب الهزيمة إلى نصر بالمفردات نفسها(!)، فلماذا لا يقوم شارون بالدور ذاته، خاصة أن الشارع الإسرائيلي سوف يسوق له أي اتفاقات قادمة بما يوهم بأنها نصر مبين، وكذلك سوف يسوق الاتفاق إلى الشارع الفلسطيني بوصفه انتصارا تحصده السلطة نتيجة طبيعية للتضحيات الكبيرة التي قدمها الفلسطينيون ولأن الشعوب كثيرا ما تكون ذاكرتها قصيرة المدى، فالكثيرون سوف يتعاملون مع هذا الواقع على أنه حقيقة. الخيارات المتاحة إن أردنا أن ننظر إلى الموضوع من زاوية ثانية كي نستبين الوجه الآخر للحقيقة، فإن السؤال الذي يظهر على السطح: ما الخيار الآخر أو الخيارات الأخرى؟ يبدو أن الخيارات كلها أو معظمها معطلة، وتتجه إلى طريق مسدود، فلا حرب عربية - إسرائيلية شاملة يتصور أن تقع في المستقبل المنظور، فبعيدا عن التعضيد اللفظي والمعنوي والتعزيز السياسي ليس أكثر، لا تستطيع الساحة العربية تقديم خيار يقود إلى حرب شاملة، كما ليس باستطاعة الإسرائيليين، مهما تعاظمت قدرة آلتهم العسكرية، أن يصفُّوا الفلسطينيين عن بكرة أبيهم أو يبيدوهم، أو حتى يدخلوهم بيت الطاعة بالشروط والأوصاف الإسرائيلية(!)، بعد أن حصلوا على مساحة للتنفس دون أن تحسب عليهم أنفاسهم، كما أنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون التعايش مع حصار ممتد اقتصاديا وعسكريا، ولا الاستمرار طويلا في مواجهة الدبابة بالحجر. أمام هذا كله، يمكننا القول إن التمرين الذي شهدناه في الأشهر الماضية كان تمرينا في العلاقات العامة والإقناع بالحقائق اليومية - في طريق ذي اتجاهين - وصولا إلى أن ما هو معروض في هذه المرحلة هو الأفضل على الإطلاق. وتبقى الأسئلة الأخيرة: هل تستطيع السلطة أن تحد من قدرة بعض المنظمات في التشويش على مثل هذا الاتفاق؟ في المدى القصير سوف تتيح السلطة الفرصة لظهور الأصوات العالية، والشعارات الرافضة، متسلحة بتلك الأصوات والشعارات كأداة ضغط، لتحصل على موقع تفاوضي أفضل، وتحقق مكاسب أكثر. ولكن عندما توقع السلطة على الاتفاقات سوف تستدير إلى هذه الأصوات بهدف إخمادها والانفراد بالساحة، وسوف تستخدم الإقناع تارة والترغيب تارة والتهديد تارات أخرى، ثم ربما تلجأ إلى القمع لإسكات هذه الأصوات، وقد نسمع أيضا في المستقبل اتهاما للأصوات المعارضة بأنها تريد تفويت فرصة الاستقلال وإقامة الدولة، وهو ما يدخل أصحاب هذه الأصوات في دائرة «الخيانة» للوطن، وليس الاجتهاد القابل للنقاش(!). قد يستبعد البعض حصول هذا السيناريو على المدى القصير، لكن ذلك - فيما يبدو - ما سوف يحدث على المدى المتوسط، وهو ما لن يتجاوز إخراج المستور من الغرف المغلقة، إلى وضح النهار في الفضاء السياسي الواسع، حيث يعاد تسويقه مكسوا - كالعادة - بشعارات إيجابية رنانة.