«نشِّنْت يا فالح، خيبة الله على الذي علمك النيشان»، هذه هي الترجمة شبه الفصيحة للعبارة التي نطق بها الممثل استيفان روستي في المشهد الختامي بأحد أفلام الأبيض والأسود، شفى الله أيامها، وقد اقتضى الدور أن ينطق بها العم استيفان ثم يجود بآخر أنفاسه بعد أن أودت بحياته رصاصة أطلقها على سبيل الخطأ والغفلة والخيبة الثقيلة واحد من أفراد عصابته التي كان يرأسها شخصيا. وكم اشتهرت هذه العبارة وذاعت على ألسنة الناس كأنها واحد من الأمثال الحكيمة السائرة في زماننا، كيف لا وقد أصبحت عَلَماً (بفتح العين واللام) على الخيبة يلحقها المرء بنفسه أو يصيب بها جماعته التي ينتمي اليها، ولعل أبلغ النماذج التي يصدق عليها هذا المثل الساخر هو اللاعب الرياضي الهمام، يشد حيله ويستجمع قوته ويشحذ مهارته التي لا تبارى ثم، يندفع الى الكرة وسط الملعب وعلى مرأى من عشرات الألوف، ويسددها بمهارة يحسد عليها فإذا به يسجل بذلك هدفا محققا وفخيما ولكن في مرماه هو، أي أنه هدف يحسب على فريقه ويزيد رصيد الخيبة التي يمنى بها هذا الفريق والنيشان الذي كان يقصده استيفان روستي في الفيلم العربي القديم هو مهارة التسديد بقصد الرمي الدقيق واصابة الهدف المنشود ولعلها كلمة منحدرة من التعابير التركية التي تسللت الى أجرومية عربيتنا عبر قرون طويلة من سيطرة اسطنبول على أقدار اليعاربة الميامين. وبالمناسبة كان الممثل استيفان روستي هذا صاحب أسلوب شديد الخصوصية في اداء الأدوار التي كان يكلف بها، هو النذل الجنتلمان يمارس النذالة بشياكة بالغة وبأناقة منقطعة النظير، ومن عجب أن كان يجيد كل أدواره ويقنع بها جماهير المشاهدين، يستوي في ذلك حين يقوم بتشخيص حالة باشا مفلس من باشاوات الزمان المصري الغابر أو يمثل دور نصاب، محتال يحاول أن يبيع قاطرة الترام للأغنياء السذج أو ينجح في اقناعهم بشراء ميدان العتبة الخضراء في قلب القاهرة، أو كان يلعب دور ابن بلد يرتدي الجلابية الصوف الألاجه كما كانوا يسمونها ومن فوقها الشال الكشمير ثم لا يتورع في اطار الدور السينمائي المرسوم عن تزييف العملة أو الاتجار في المخدرات. ولد استيفان روستي عام 1891 وتوفي فجأة عام 1964 ويتصل نسبه بعائلة ارستقراطية من أعرق عائلات النمسا(!) وكان أبوه كما يقول مترجمو سيرته يحمل لقب بارون ويسكن قصرا منيفا في فيينا وحين جاء به الى القاهرة ومعه والدة استيفان الايطالية، سكنت الأسرة دارة أنيقة في حدائق شبرا (كانت حدائق بالفعل في أواخر القرن التاسع عشر، وهي اليوم مجرد لافتة تذكّر الناس بزمان جميل راح وانقضى، فلم يعد في المكان حدائق ولا يحزنون). وكم تنكّر وجه الزمان للفتى (استيفانو دي روستي) بعد أن هجر أبوه أسرته الصغيرة، وأنكر صلته بابنه الذي حاول أن يتواصل معه ويستدر عطفه في أوروبا.. وعاد استيفان عام 1917 الى القاهرة وأهلته طلاقته في الحديث بالفرنسية والايطالية كي ينضم الى كبرى الفرق المسرحية في ذلك الوقت ومن يومها ظل قاسما مشتركا في أهم المسرحيات والأوبريتات والأفلام التي شهدتها ساحة الابداع العربي في مصر حتى آخر لحظة من حياته. مشاركا بالتمثيل وأحيانا بكتابة القصة أو السيناريو أو بالحوار بل وبالاخراج السينمائي، وبرع في هذا كله وإن كان قد تفوق أكثر في أدوار الشر التي كان يؤديها بنعومة وأناقة بل وخفة دم كانت تشيع نوعا من الدفء الغريب إن لم يكن البهجة بين أفراد الجمهور. «نشّنت يا فالح..» ترددت في أعماق العبد الفقير، خلال قراءة صفحة الحوادث منذ أيام، فها هو «فالح» آخر تصدق عليه المقولة الكلاسيكية الشهيرة التي يصفون بها الشويعر الذي لا يعرف أن (الشعر صعب سُلّمه) ومن ثم فالعاطل من موهبة الشعر حين يعالج فن التريض (يريد أن يُعربه، فيُعجمه) من فرط الخيابة وقلة الحيلة. هذا هو بالضبط ما حدث لأحد اللصوص المنحوسين في مدينة القاهرة. هو شاب نسيت الآن مهنته الأصلية، كان يتمشى على غير هدى في أمسية صيفية وسط القاهرة، أي شيطان جعله لا يكف عن مطالعة اللافتات، اعلانات وموديلات تخطف الأبصار عن فيللات الأحلام والسيارات السوبر حديثة و..غابات السيراميك وسهرات ليالي العمر، وعن مسرحية جديدة للمثل الكوميديان الصاعد (أحمد آدم)، توقف صاحبنا مشروع اللص كما نسميه عند ملابس أحمد آدم بالذات كما تبدو في أفيشات الاعلان مرسومة بألوان الطيف السبعة أو التسعة لا ندري، ساعتها هرش صاحبنا رأسه الأشعث ووضع يده في جيب سرواله المتهدل المهترئ فكان أن خرجت أصابعه من ثنايا الجيب الممزق المخروق، في تلك اللحظة تذكّر سخرية الأقران من رثاثة هيئته واضطراب ملابسه، وفي تلك اللحظة أيضا قرر أن يتسلل الى داخل المسرح وسط القاهرة وفي كسر من الثانية وضع خطته لكي يسرق الملابس الأنيقة من غرفة النجم الكوميدي المحفوظ، كان الظلام قد أرخى سدوله، وكان باب المسرح شبه معتم وشبه مفتوح بعيدا عن أعين الحراس، دلف الى الداخل وقصد ـ يا لمهارته ـ زاوية المواسير وتوصيلات الصرف الصحي وكمن بين ثناياها وقد كوّر جسمه بين أنابيبها العتيقة حيث لا يتصور أحد أن في داخلها إنسانا. انقضت عدة ساعات، وساد الصمت الليلي الكثيف، وبعدها انطلق صاحبنا الى تنفيذ الخطة بالغة الإحكام، ظل يقرأ اللافتات الصغيرة الى أن اهتدى الى حجرة البطل، الأستاذ أحمد آدم، دخل وأوصد الباب، كل شيء مهيئ، كل شيء مأمون، كله تمام، في ملاءة كبيرة أفرغ محتويات خزانة الملابس، لم يترك ربطة عنق ولا جوربا ولا زوجا من الأحذية الغالية الأنيقة، ناهيك عن بدلات آخر طراز وقبل أن يخرج كما دخل ومعه صيده الثمين، لاحت أمامه البدلة الفارهة التي غازلته وغازلها في اعلانات المسرحية وبغير تردد، عمد اليها فارتداها، وركل ملابسه الزرية الى ركن مهمل في الغرفة الصغيرة، ثم ألقى على نفسه في المرآة نظرة قوامها الرضا الشديد وتهنئة النفس متطلعا الى عجب الأصدقاء واعجاب الخلان حين يطالعهم على (سنجة عشرة) من الأبهة والفتاكة والأناقة في آن.. من باب الغرفة خرج صاحبنا حاملا بقية الغنيمة ويبدو أن كل الجهد قد نال منه مبلغا فكان أن ضل طريقه الى باب الخروج، كان يلتمس منفذا الى الشارع، الحجرات كثيرة والصمت مطبق كثيف، والظلام مسدل الستور على أرجاء المكان حتى أن عينيه لا تريان شيئا، هكذا أرهف السمع يلتمس جلبة الشارع كي يخرج اليه، ومن ثم الى سبيل الأمان، وجاءته الجلبة، أصوات متداخلة كانت مثل لحن عذب شجي في أذنيه، خطوة واحدة أو خطوتان إذن الى باب الخروج ومن أعماقه جذب نفسا عميقا، خطوة أولى والثانية، والثالثة، و.. وجد اللص نفسه فوق خشبة المسرح حاملا صّرة ضخمة تتدلى من ثناياها أحذية وكرافتات وأكمام قمصان، وفوجئت به جوقة الممثلين الذين كانوا قد سهروا ليلتها كي يؤدوا البروفة النهائية بروفة اللبس الجنرال كما تقول أدبيات المسرح.. وبديهي أن الأخ أحمد آدم تعرف على نفسه في تلك اللحظة، نقصد على حلته الغالية الأنيقة وقد ارتداها هذا الهادي المنكور الذي أراد أن يكون فارسا أنيقا، فكان لصا خائبا ذاعت فضيحته فوق خشبة مسرح، وعلى رؤوس الأشهاد.. و.. نشِّنت يا فالح.. ورحم الله الفنان الذي أضحكنا وأسعدنا حتى في أدوار الشر.. ابن الارستقراطية النمساوية العريقة.. «ستيفانو دي روستي».