عندما ظهرت الصهيونية كفكرة قبل أكثر من مئة عام بقليل بين أعضاء الجماعات اليهودية، كانت تستند إلى مجموعة من المقولات والشعارات. وكانت هذه المقولات رداً على واقع هذه الجماعات التي كان معظمها جماعات وظيفية هامشية، ارتبط أعضاؤها بمهن معينة رسمت ما يسمى «صورة اليهودي» في العقل الغربي، إذ كان معظمهم يعملون في مهن كالربا والدعارة والتهريب، وهو ما جعل كلمة يهودي ترتبط في الوجدان الغربي بهذه المهن المشينة، ورفعت الصهيونية شعار «تطبيع اليهودي» أي إعادته إلى حالته الطبيعية ليعمل في كل المهن ويتخلص من الهامشية. وربطت الصهيونية بين ذلك وبين إنشاء دولة لليهود يعملون فيها بالزراعة والصناعة شأنهم شأن كل الشعوب الأخرى. وقبل أن تنشأ الدولة الصهيونية كان العمال العرب يشكلون قوة العمل الحقيقية في الاقتصاد الصهيوني. بعد قيام الدولة بدأت العمالة العربية «تتسرب» إلى قطاعات بأكملها في الاقتصاد الصهيوني. وقد رأى الصهاينة في ذلك وسيلة للسيطرة الاقتصادية على الفلسطينيين، فاعتمدت سياسة إضعاف مقاومة الاحتلال عن طريق زيادة الدخل. إذ أدى اتجاه الفلسطينيين إلى المنشآت الاقتصادية الإسرائيلية كعمالة إلى ارتفاع مستوى دخلهم واعتمادهم بدرجة كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي. ويعود إقبال إسرائيل عليهم لسبب آخر هو أن الإسرائيليين يرفضون القيام بالأعمال اليدوية والمتدنية. وقد بلغت هذه العمالة في النصف الأول من التسعينيات أكثر من مئة ألف فلسطيني. وسبق أن حاول التجمع الاستيطاني الصهيوني التخلص من العمالة العربية بعد الانتفاضة الأولى فاضطر لاستيراد عمالة أجنبية من تايلاند ورومانيا بلغ عددهم 48 ألفاً، لأن الهامشية عادت مرة أخرى للمجتمع الصهيوني، وعادت قاعدة هرم العمل تخلو من الأيدي العاملة الصهيونية. وأدت العمليات الاستشهادية وبخاصة في عام 1993، 1994 إلى انخفاض أعداد العمال الفلسطينيين بشكل حاد، فازداد الاعتماد على الأيدي العاملة الأجنبية. وحسب إحصاء عام 1997 كان الأجانب يشكلون 10% من اليد العاملة في إسرائيل وعملوا في قطاعي البناء والزراعة. وبعد أن كان هؤلاء العمال موضع ترحيب أصبحوا يثيرون ردود فعل معادية، وتعتقد السلطات الإسرائيلية أن «مشاكل اجتماعية» عدة نشأت من تدفق العمال الأجانب الذين تضاعفت أعدادهم خمس مرات خلال ثلاثة أعوام. وهذه المشكلة البنيوية المزمنة تضع الكيان الصهيوني أمام تحدٍ سياسي اقتصادي له نتائج اجتماعية سلبية، فالاستعانة بالعمالة الفلسطينية تضمن استمرار تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الصهيوني. لكن هذه العمالة مازالت قنابل موقوتة تهدد أمن الكيان الصهيوني. وهو ما يفسر قدرة الفلسطينيين على الوصول بعملياتهم الاستشهادية إلى ما يسمى «أرض إسرائيل» بسهولة. وقد أسقطت هذه العمليات الاستشهادية عدة أكاذيب صهيونية في مقدمتها أن إنشاء الكيان الصهيوني سيؤدي إلى «تطبيع الشخصية اليهودية». في الوقت نفسه أسقطت أكذوبة أن الأرض التي أنشئ عليها هذا الكيان أرض بلا شعب، فشعبها موجود يدافع عنها ويقدم حياته لأجل تحريرها. وعلى صعيد الأمن تشكل هذه العمليات تحدياً نوعياً شديد الصعوبة، فهذا الكيان المدجج بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً بنى منظومته العسكرية على مواجهة حرب نظامية، وحاز من الأسباب ما يضمن له التفوق على كل الدول المجاورة. لكنه غير قادر على التعامل بكفاءة مع انتفاضة أو «حركة تحرير شعبية»، وصنع قنبلة لا يحتاج إلى خبرات تقنية راقية بل يمكن أن يتم بإمكانات موجودة في الحياة اليومية للناس. أما الإنسان الذي يحملها فهو سلاح غير قابل للقهر، فكما استطاع أن يصنع القنبلة ويحملها إلى تجمع بشري صهيوني، فهو قادر على إصابة هدفه، وهذه العمليات تشكل نهاية أكذوبة «العربي الغائب» فهو موجود وقادر على تهديد أمن الكيان وسكانه. وهذا التحدي المركب أخطر ما يواجه الكيان الصهيوني، فهو قادر على تكبيده من الخسائر البشرية أكثر مما تكبده في حروبه النظامية. وخلال الفترة من 1994 إلى 1997 قتل أكثر من 150 صهيونيا. والعمليات الاستشهادية، فوق ذلك، تجبر إسرائيل على التعامل مع وضع ظلت لعقود قادرة على أن تفلت منه، وهو نقل الحرب على أرضها. فبعد عقود من النجاح في نقل حروبها على أرض أعدائها صارت مضطرة إلى خوضها على أرضها. وبتحطيم هذه الأكاذيب الصهيونية يولد وعي صهيوني جديد مسكون بالرعب، فبعد جهود جبارة لتدمير بنية الممانعة والمقاومة عبر منظومة الترغيب والترهيب والاحتواء والاختراق تظل المقاومة حقيقة لا سبيل إلى إنكارها. وبدل أن يتمكن الكيان الصهيوني من استخدام ورقة الاقتصاد للسيطرة على المجتمع الفلسطيني، يصبح الاقتصاد الثغرة التي يدخل منها الفلسطينيون إلى قلب «إسرائيل» حاملين معهم الموت. وهذه الثغرة قد لا يتمكن الكيان الصهيوني من سدها لأسباب ديمغرافية وثقافية ستظل التهديد الأكبر لأمن الكيان الصهيوني. وإذ يتبدد أمن هذا الكيان لدرجة يضطر معها لاستخدام الجيش النظامي في مواجهة مدنيين، تفقد صورته في الغرب بريقها ويسقط قناع الدولة الديمقراطية. وتصبح بالتالي قدرة على أنصاره في الغرب على ترويج صورة له كحارس للمصالح الغربية في المنطقة، محدودة. ويعني هذا ببساطة أن الكيان الصهيوني غير قادر على مواجهة حركة مقاومة شعبية منظمة، ويعني أيضاً أنه عندما تتمكن من فرض المعركة عليه (التوقيت - الميدان السلاح) يمكن أن يهزم، وبذلك تنهار أكذوبة أخرى تضخمت في الوعي العربي حتى كاد كثيرون يعتبرونها مسلمة لا تقبل النقاش، هي أن هذا الكيان قوي متماسك على كل المستويات. وهكذا تختصر عملية استشهادية واحدة مئة عام من الأكاذيب. ـ كاتب مصري