تركزت الجهود التي بذلتها، مؤخرا، الحكومة الاسرائيلية واللوبي المناصر لاسرائيل في الولايات المتحدة على التغطية الاعلامية بصورة مكثفة للأزمة الراهنة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وابتداء من المطالبة بأن تقوم شبكة الـ «سي. ان. ان» باحلال اعلاميين مناصرين لاسرائيل محل الاعلاميين ذوي الأصل الفلسطيني إلى الاستعانة بثلاث شركات اضافية للعلاقات العامة للتعامل مع أجهزة الاعلام الأمريكية، صعَّد حلفاء اسرائيل الحرب الاعلامية. وإذا دخلت على موقع أي منظمة مؤيدة لاسرائيل على شبكة الانترنت، فسوف تستطيع العثور على العديد من النذر التي تحمل الاتهام بأن الاعلام الغربي يتحامل على إسرائيل. ولكن الحقيقة هي، بالطبع، على النقيض من ذلك. على هذا النحو يستهل تقرير أصدره المعهد العربي الأمريكي. وهذا التقرير الذي أعدته ميليسيا موري الباحثة بالمعهد هو تحليل مثير للقلق للمعاملة غير المتوازنة من جانب أبرز أجهزة الاعلام الأمريكية لحوادث القتل التي يتعرض لها الاسرائيليون والفلسطينيون. وفي مقدمة هذا التقرير التي كتبتها بالاشتراك مع جنيفر سالان لاحظنا انه: بينما تدرج حالات وفيات الاسرائيليين في العناوين الرئيسية، وتغطى اخباريا باعتبارها أحداثا بارزة، فان الضحايا الفلسطينيين نادرا ما تتم تغطيتهم اخباريا. وبالنسبة لجانب كبير من هذه المذابح لم نعلم إلا بالقليل للغاية أو لم نحط علما بأي شيء يتعلق بالضحايا الفلسطينيين. ولم نتلق شيئا من عائلات الفلسطينيين وأصدقائهم، ونحن لا نحاط علما بكيفية كسبهم لرزقهم، ولا نعلم شيئا عن أحلامهم. وغالبا ما يحجب عنا اسم الضحية الفلسطينية. أما عندما يذهب اسرائيليون ضحايا لهجوم فلسطيني بالقنابل، فان التغطية تغدو مكثفة وحميمة وتبث صورها مرارا وتكرارا، ويعرض علينا الضحايا الاسرائيليون والناجون الاسرائيليون الذين تأثروا بالحادث، ونسمع قصص العائلات ونعرف انها كانت محاطة بالحب. وباختصار فإننا نستطيع الاقتراب بشكل مكثف من المعاناة الاسرائيلية، لاننا دفعنا إلى تفهم الخسارة التي يتكبدها الاسرائيليون. ونلاحظ كذلك ان التغطية في الاعلام الامريكي تتسم بانحياز آخر، وعلى وجه التحديد الطريقة التي يتم اسناد السبب والنتيجة بها في غمار عمليات القتل هذه. وتقدم الهجمات الفلسطينية دائما باعتبارها الأحداث التي فجرت العنف وبدأته والتي تحتم حدوث ردود اسرائيلية. ولا ينظر إلى الفلسطينيين قط باعتبارهم يردون على هجمات اسرائيلية بعينها أو على نمط متراكم من الاستفزاز الاسرائيلي. ويتم توصيف الخسائر الاسرائيلية بأنها «ضحايا ارهاب عبثي» بينما لا يتم فقط نزع الطالع الشخصي عن الضحايا الفلسطينيين وإنما يسمح لهم بالظهور باعتبار ان سقوطهم هو النتيجة المنطقية للعنف الذي بدأه الفلسطينيون. ويحمل الجزء الرئيسي من التقرير عنوان «حكاية عمليتي قتل» ويقارن بين التناول الاعلامي الأمريكي لمجموعتين من عمليات القتل، وهما: ـ مصرع طفلة اسرائيلية في شهرها العاشر في 26 مارس الماضي، ومصرع وليدة فلسطينية في شهرها الرابع في السابع من مايو الماضي. ـ مصرع مراهقين من المستوطنين الاسرائيليين في التاسع من مايو الماضي وقتل مراهق فلسطيني في التاسع من اكتوبر 1996 ومقتل مراهق فلسطيني آخر في رام الله في الثامن من ديسمبر الماضي. وقد شهد مصرع الطفلة الاسرائيلية شاليفيت باس طريقه إلى أخبار الصفحات الأولى وصورها في صحف الولايات المتحدة، كما تحول إلى تقرير امتد نشره عبر أيام عديدة، مع مقالات اضافية حول ردود فعل الأبوين والأصدقاء على الحادث. وبالمقابل فان مقتل الوليدة الفلسطينية إيمان حجو التي لم يتجاوز عمرها أربعة أشهر لم ينشر إلا في فقرات قلائل ومن دون صور مرفقة وتعرض للتهميش بفعل تقرير أكبر كثيرا عن الامساك بقارب صيد يهرب أسلحة إلى غزة. وكان مصرعها حدثا لم ينشر إلا في يوم واحد، وأزيح إلى الصفحات الخلفية لمعظم الصحف التي نشرته. لقد كتب الحدث الاسرائيلي ليثير المشاعر، وتضمن وصف الصغيرة شاليفيت بأنها: «الوليدة الأثيرة التي أطلق عليها الرصاص حتى الموت في عربتها الصغيرة». وذكر في تغطية جنازتها ان كلمة تأبين لها قد ألقيت متضمنة الاشارة إلى «وجناتها ذات الغمازات، وفمها الموحي بالذكاء، وظرفها البالغ». وبالمقابل فان مصرع إيمان حجو تم الاكتفاء بنشره على انه «قتلت اليوم وليدة في شهرها الرابع». وتبدو مثيرة للقلق بالقدر نفسه الحقيقة القائلة ان المصادر الاسرائيلية قد نقل عنها على نحو موات في الحدثين كليهما وصفها لمصرع شاليفيت باس بأنه «تصعيد متعمد وبدم بارد للقتل» فيما يشار إلى «البراءة» و«غياب القصد» في قتل إيمان حجو. والأدهى من ذلك انه في حالة مصرع شاليفيت ياس، ذكر ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون «حمل السلطة الفلسطينية المسئولية عن العنف والارهاب اللذين أسفرا عن مصرع الطفلة». بينما في غمار مناقشة مصرع إيمان حجو» قال شارون انه آسف لمصرع الوليدة ... (لكنه) ألقى اللوم على ياسر عرفات فيما يتعلق بالتصعيد الأخير». بتعبير آخر، وكما يرد في ختام تقرير المعهد: «عندما تقتل وليدة اسرائيلية فان الأمر يرجع إلى الارهاب ويقع على كاهل الفلسطينيين. وعندما يقتل الجيش الاسرائيلي طفلة وليدة فلسطينية، فان ذلك يقع على كاهل الفلسطينيين ... وهي حالة كلاسيكية من حالات القاء اللوم على الضحية. ويقدم التقرير مقارنة مثيرة للقلق بالقدر نفسه بين الطريقة التي غطت بها كبرى الصحف الأمريكية مصرع مراهقين اسرائيليين والطريقة التي امتنعت بها عن القيام بأي تغطية على الاطلاق لجريمة قتل صبيين فلسطينيين، أحدهما يحمل الجنسية الأمريكية. «قصة حادثي قتل» هو عنوان احدى دراستين أنجزهما المعهد مؤخرا. والتقرير الآخر الذي أعدته جنيفر سالان هو عرض مطول لضروب التحيز التي رصدتها في التغطية التي قامت بها شبكة الـ «سي. ان. ان» من خلال جيرولد كيسل نائب رئيس مكتب الشبكة في القدس. وقد وجدت في غمار تدقيقها في هذا الصدد ان كيسل: ـ لم يتحر مدى دقة البيانات الرسمية الاسرائيلية فيما يتعلق بالضربات الاسرائيلية الموجهة إلى الفلسطينيين. ـ لا يعتمد على الطروحات الرسمية الاسرائيلية فيما يتعلق بسياق الأخبار من دون تقديم مصدر تلك المعلومات. ـ تغطية الأزمة الراهنة كما لو كان هناك جيشان متعادلان يواجه أحدهما الآخر وذلك في مفارقة للواقع الذي قوامه حدوث انتفاضة مدنية ضد احتلال عسكري. ـ يقوم بتغطية مكثفة لـ «الحالة المزاجية الاسرائيلية» أو «الواقع السياسي الاسرائيلي» من دون موازنة ذلك بـ «الحالة المزاجية الفلسطينية» أو «الواقع السياسي الفلسطيني». وقد جرى بشكل موسع تداول الدراستين كلتيهما، وجذبا انتباه الشبكات والصحف الأمريكية الكبرى والاعلاميين الأمريكيين أنفسهم، وهما جديران بالقراءة حقا ومتاحان في موقع المعهد على الشبكة الدولية. وبينما من المهم التصدي للتغطية الاعلامية المتحيزة، فان هناك كذلك دروسا في غمار هذا كله يتعين على العرب الخروج بها. لقد التقى الأمريكيون العرب بالمنافذ الاعلامية الأمريكية الكبرى، ولكن غالبا ما امتنع المسئولون العرب عن دعم جهودنا أو مسايرتها. والدول العربية، كل منها بمفردها أو مجتمعة، تحتاج إلى ان تكون على اتصال بالاعلام من خلال استراتيجية اعلامية فعالة. سمح العرب، في مناسبات عديدة للغاية، للجانب الاسرائيلي بأن يحدد قضية أو حدثا بحيث يحوله إلى قضية كبرى من دون أي استجابة أو رد عربيين على تلك القضية. ومن الضروري في كل حالة السعي للقاء الاعلاميين وتحديد القضايا مع حدوثها والاستجابة لدعاية الطرف الآخر. إن هناك صراعا يتم خوض غماره على أرض الشرق الأوسط، وهناك كذلك صراع يدور في اطار الاعلام الامريكي، وهو قتال يخاض من أجل القلوب والعقول في اطار الرأي العام الأمريكي، والعرب لا يملكون ترف الخسارة على أي من هاتين الجبهتين. والحرب الاعلامية هي معركة ضارية، ولكن من الممكن الانتصار فيها من خلال استراتيجية نشطة وقائمة على الالتزام. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي