حالة اللاحرب واللاسلم في الارض الفلسطينية المحتلة التي قد تمتد لبضعة اسابيع تمثل فرصة جيدة لتجمع قيادات الفصائل الوطنية والاسلامية التي تتولى ادارة المقاومة الميدانية ضد اسرائيل، لعمل استعراض تقييمي لأحداث وتطورات وتداعيات شهور الانتفاضة الثمانية. والهدف هو استنباط ما يمكن استنباطه من استخلاصات يسترشد بها في رسم اجندة وبرامج الجولة التالية. وسواء اجري هذا التقييم او لم يجر فإن هناك خطوطا عريضة وواضحة ابرزها مسار الاحداث بحيث يراها كل من تابع مجريات الانتفاضة منذ اندلاعها في أواخر سبتمبر الماضي. وفي مقدمة الاستخلاصات التي تحملها هذه الخطوط العريضة انه ثبت عمليا ألا بديل للمقاومة المسلحة في سبيل تحرير الارض الفلسطينية وأن اشد اسلحة المقاومة الشعبية ترعيبا لاسرائيل كقيادة وحكومة ودولة ومجتمع في آن معا هي العمليات الاستشهادية داخل العمق الاسرائيلي. للمرة الاولى منذ قيام الدولة اليهودية في عام 1948 انتقلت المبادرة السياسية في مسار الصراع من ايدي الطرف الاسرائيلي الى ايدي الطرف الفلسطيني. ولم يكن لهذه النقلة النوعية ان تتحقق لولا عمليات المقاومة المسلحة وخاصة المهام الاستشهادية. لقد جاءت عملية تل ابيب الاستشهادية التي ذهبت بحياة عشرين اسرائيليا بضربة واحدة تتويجا دراميا لسلسلة عمليات، فقلبت نظرية الامن الاسرائيلي رأسا على عقب. وقد يمر وقت طويل قبل ان نتمكن من حصر التداعيات السالبة المرئي منها وغير المرئي، هذه العملية على مستقبل اسرائيل كدولة لليهود. لكن ما رأيناه حتى الآن يكفي. فقد قامت قيامة «اللوبيات» اليهودية في كل انحاء اوروبا والولايات المتحدة وأعلنت حالة طواريء سياسية وألقت هذه «اللوبيات» في كل دولة غربية بأثقالها السياسية والمالية. وكانت النتيجة تحركا جماعيا لعدد كبير من قادة الحكومات الاوروبية والامريكية.. هرعوا جميعا الى المنطقة بدافع واحد مشترك: انقاذ بقاء اسرائيل كدولة ومجتمع. اما على الصعيد الشعبي الخارجي فإن اسرائيل بدت كمكان غير آمن ينبغي تجنبه حتى في عيون يهود الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال تورد الصحف الامريكية اخبارا عن ان اعدادا متزايدة من الرياضيين اليهود الامريكيين يرفضون السفر الى اسرائيل لحضور دورة «الألعاب المكابية» وهي بمثابة اولمبياد اسرائيلية المقرر افتتاحها في 16 يوليو المقبل وفي الوقت نفسه اعلن اكبر تنظيم ديني يهودي في الولايات المتحدة ـ «حركة الاصلاح» ـ انه قرر الغاء برامجه الصيفية للشباب التي تقام في اسرائيل. وأعلنت «الوكالة اليهودية» ان 4500 شاب يهودي فقط من جميع انحاء العالم سوف يشاركون هذا العام في برامجها الصيفية التي تقام في اسرائيل بعد ان اعتذر عن المشاركة نحو ثمانية آلاف شاب يهودي. اما داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه فإن انعكاسات عدم الشعور بالامن تتخذ اشكالا مثيرة. فالاسرائيليون، كما يفيد تقرير لوكالة الانباء الفرنسية، يتهافتون على استهلاك المسكنات ومضادات الاكتئاب مع ازدياد ترددهم على العيادات النفسية. ويقول التقرير انه في القدس «حيث يرتفع التوتر الامني» سجلت شركة الادوية الرئيسية زيادة بنسبة مئة في المئة في مبيعات المسكنات بالمقارنة مع العام الماضي. وينقل التقرير عن طبيب علاج نفسي اسرائيلي ان مرضاه يرون في الهجمات الفلسطينية كوارث قابلة للتكرار تدفعهم الى فقدان السيطرة والامان».