أصبحت صورة اندونيسيا في وسائل الاعلام العالمية هي صورة الدولة المضطربة وغير المستقرة، فدائما رجال مكافحة الشغب يركضون وراء المتظاهرين، أو دعاة الانفصال يقومون بأعمال دموية في الجزر البعيدة عن مقر الحكم والسلطة في جاوة، أو البرلمان مجتمعا في صخب لبحث الوضع الدستوري للرئيس المتهم بالفساد والرافض للاستقالة، ويقوم بحملة واسعة من التعيينات والاقالات داخل صفوف الادارات والوزارات الحساسة في البلاد، ورغم ان الرئيس عبدالرحمن واحد يبدو دائما عبر وسائل الاعلام اما نائما أو يتحرك بمساعدة مرافقين إلا انه يتشبث بالسلطة ويتحدى قرار البرلمان بعقد جلسة خاصة في الأول من أغسطس المقبل من أجل مساءلته في قضايا الفساد المتهم بها ومن ثم انهاء رئاسته التي بدأت قبل تسعة عشر شهرا. فمنذ اجبار الرئيس سوهارتو على التنازل عن الحكم في مايو عام ثمانية وتسعين بعد اثنين وثلاثين عاما حكم فيها اندونيسيا بالحديد والنار بعدما وصل إلى سدة الحكم بانقلاب دموي ذهب ضحيته نصف مليون اندونيسي ـ منذ اجباره على التنازل عن الحكم والبلاد تعيش سلسلة من الأزمات والصراعات السياسية المتلاحقة، كان أبرزها انفصال جزر تيمور الشرقية عنها عام تسعة وتسعين، حيث دفع الرئيس يوسف حبيبي الذي خلف سوهارتو منصبه ثمنا لهذا الانفصال الذي وقفت وراءه بوضوح معظم القوى الغربية. غير ان وصول الرئيس عبدالرحمن واحد إلى سدة الرئاسة في اكتوبر عام تسعة وتسعين لم يدفع أكبر دولة إسلامية في العالم إلى الاستقرار كما كان متوقعا، بل تصاعدت المواجهات على مدى الأشهر الماضية بين الرئيس والبرلمان حتى وصلت مؤخرا إلى تحديد جلسة الأول من أغسطس المقبل للنظر في عزل الرئيس واحد أمام أعلى هيئة في اندونيسيا وهي مجلس الشعب الاستشاري الذي يترأسه أمين رياسي الذي يعتبر غريما ومنافسا للرئيس واحد، حيث يتزعم (منظمة المحمدية) التي تضم حوالي خمسة وعشرين مليون عضو، فيما يتزعم الرئيس واحد تنظيم (نهضة العلماء) الذي يضم حوالي أربعين مليون عضو مما دفع بالكثيرين إلى التأكيد على ان الصراع في اندونيسيا في حقيقته هو صراع بين الرجلين اللذين يتزعمان أكبر تنظيمين دينيين في البلاد، لكن مراقبين آخرين يشيرون إلى ان الصراع له أبعاد أكبر وأعمق من ذلك. لا سيما وان القوى السياسية جميعها قد احتشدت للمطالبة باقالة الرئيس الذي لم يعد يجد دعما في البرلمان إلا من حزبه الذي لا يزيد عدد أعضائه في البرلمان عن اثنين وخمسين عضوا يمثلون حوالي عشرة بالمئة فقط من عدد أعضاء البرلمان البالغ خمسمئة عضو. تقع اندونيسيا في جنوب شرق آسيا، ويقطعها خط الاستواء، وتجاورها ماليزيا شمالا وغينيا الجديدة شرقا. يبلغ عدد سكانها مئتين وعشرين مليون نسمة، وهي بذلك تعد أكبر دولة إسلامية في العالم، ورابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية، وينتشر سكانها على مساحة جغرافية تقدر بحوالي مليون وتسعمئة ألف كيلو متر مربع تتوزع على أكثر من ستة عشر ألف جزيرة منها أكثر من ثلاثة عشر ألف جزيرة مأهولة بالسكان، غير ان ستين في المئة من السكان يعيشون في جزيرة جاوة التي تتركز فيها أيضا السلطات الفعلية للبلاد. يمثل المسلمون حوالي تسعين في المئة من سكان اندونيسيا فيما تضم النسبة الباقية من السكان أقليات مسيحية وهندوسية وبوذية ووثنية. ورغم ان سكان اندونيسيا يعودون في أصولهم إلى حوالي ثلاثمئة عرق ويتكلمون ما يزيد على ثلاثمئة وخمسين لغة محلية إلا ان الماليزيين الذين يتكلمون اللغة الاندونيسية يمثلون أغلبية السكان. هذه الكتلة الهائلة جغرافيا وسكانيا تتعرض الآن لمحاولات تمزيق وانفصال في جزر الملوك واقليم آتشه في جزيرة سومطرة الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من أربعة ملايين، ولعل التركيبة الجغرافية للبلاد مع الدعم الخارجي تدفع سكان الجزيرة للمطالبة بالانفصال والاستقلال سيما مع وجود ثروة طبيعية هائلة متوزعة على معظم أنحاء البلاد. من هنا فان الدعوة لاستقالة الرئيس، وتجذر الفساد في إدارات البلاد المختلفة والدعوات المختلفة في الأطراف بالانفصال وتهديد أنصار الرئيس بمواجهات دموية إذا قرر مجلس الشعب الاستشاري اقالة الرئيس، وقيام الرئيس بعزل كل من يعترض على سياساته وتهديده باعلان الأحكام العرفية وحل البرلمان .. كل هذا يضع اندونيسيا أكبر دولة إسلامية على مفترق طرق خطير سوف تتضح معالمه دون شك قبل الأول من أغسطس المقبل؟!