هناك اشكالية في العالم الثالث والعالم العربي على وجه الخصوص وهو الملام أولا لأنه قاد في فترة ازدهاره حضارة شيدت فيها بنيان الانسان قبل هياكل الجدران الصماء. يتجادل اثنان او يتبادلان اطراف الحديث حول أولية الحق أم الواجب المتعلق بالانسان كانسان دون وصفه من ناحية موقعه في المجتمع رئيسا كان أو خفيرا، غنيا أو مدقعا وغارقا في الفقر، معروفا بالعلم أو نكرة الا في نفسه. هذا الانسان المجرد من كل شيء الا من الانسانية هو الذي كرّمه خالقه «ولقد كرمنا بني ادم...» فآدم اب للناس كافة فهو لم يخص أبوته لجنس دون آخر ولم يفضل ولداً على ولد كما يفعل البعض منا هذه الايام لممارسة نوع من العقوبة الخفية على أولاد الأم أو اولاد الاب وان كانوا من ظهر واحد او ظهرين شرعيين، فآدم مارس دوره لأبوة البشرية، وان كان بعض الاباء يطغون ويسيئون في ممارسة هذا الدور. في خضم هذا السجال الذي يتحول الى سفسطة أو تفلسف في غير مكان الا لهضم كلام يصعب بلعه أو فهمه، فيواجهك شخص ليقول لك، انت مطالب بأداء الواجبات أولا اما الحقوق فلا تسأل عنها حتى يكون عملك خالصا لوجه الله، او بمعنى اخر اعمل بدأب وابذل الجهد في الاتقان ولا تنتظر من احد جزاء ولا شكورا، لأن الناس لا تمن عليك بمثل هذا فلماذا تعرض نفسك للمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس وانت في غنى عن ذلك. بالمقابل ترى في الواقع نظرية مقلوبة سائدة في الاوساط التي تمارس الوجاهة وهي لا تملك سلاحا الا ظهر السلطان عندما يقال إن «ظهره قوياً» والصحيح هو ان ظهر السلطان هو القوي فمن وراء ظهره نال حقوقه كاملة وزيادة وان لم يؤد واجباته كما يؤديها أبسط انسان في أي موقع، لأن هذا مكتوب عليه القلم وذاك مرفوع عنه بحكم ظهر السلطان. مع وجود شريحة تؤمن بأداء الواجبات ايمانا اعمى ولا تثير حولها أي مسألة تتعلق بالحقوق او الواجبات في اي شأن من شئون الحياة اليومية، لأن هذا الايمان الاعمى لم يعطه مجالا للوصول الى الايمان البصير لأنه سوف يكلفه ضريبة المطالبة بما ضيعه يوم ان غطى الايمان الاول عين الايمان الثاني، إن ميزان الحياة الحقيقية لا يقوم الا على جناحين: الحقوق والواجبات، والاخلال بأي منهما يعني وصول البعض الى طبقة الوصوليين وسقوط الاخرين في ظلم المثالية التي لا تطعم المسكين.