هل حدث أن التقيت صديقاً لم تره منذ سنوات عديدة فأعادك إلى أجواء مرحلة من العمر كدت تنساها لطول ما تقادم عهدها؟ لعل شيئاً شبيهاً بهذا هو ما شعرت به وأنا أتصفح العدد الأول من «أحوال» التي أصدرها الصديق العزيز الدكتور محمد عبيد غباش. وفي حركة يبدو أنها مقصودة أطلق صديقنا مطبوعته وترك لنا مهمة تحديد نوعيتها: هل هي مجلة أم جريدة؟ أم هي شيء آخر يجمع بين الشكلين؟ مصدر هذه الحيرة أو اللبس المقصود غير المصرح به ـ في رأيي ـ ان المطبوعة اسبوعية تصدر شهرياً مؤقتاً كما جاء على غلافها إلاّ أنها تختلف عن المجلات في كونها تطبع على ورق جرائد من قطاع التابلويد تضطر الى تعديل اتجاهها من الوضع الأفقي الى العمودي إذا ما قلبت صفحة الغلاف. وفي كل الأحوال فليس هذا هو موضوعنا، إذْ الموضوع هو الروح التي حملتها المطبوعة في إصدارها الأول بعيداً عن مظنة المدح أو القدح حيث أيقظت في النفس ذكريات عزيزة تعيدنا إلى الوراء سنوات عديدة ننظر إليها فنظنها قريبة ونعدّها فإذا بها قد أوشكت أن تبلغ الثلاثين! كان الزمان أوائل السبعينيات.. وكانت الإمارات أرضاً بكراً تشهد البدايات الاولى لكل شيء.. أمّا نحن فقد كنا في بواكير العمر طلبة على مقاعد الدراسة التي هيأتها لنا دول شقيقة سبقتنا إلى النهضة التعليمية فأرادت لشعاع العلم أن يمتد إلينا.. كنا نشاهد التحولات التي تحدث على الأرض.. ونعدّ أنفسنا لمرحلة يدرك الحدس أنها ستكون مختلفة، ولا تخفى على ذي بصيرة معالمها. كان اتحاد الامارات فكرة عانت مخاضاً لم يكن سهلاً حتى خرجت إلى الوجود. وكان إعلان الدولة ثمرة تلك الجهود العظيمة التي بذلها رجال مخلصون كي يؤسسوا هذا الكيان على قواعد ثابتة الأركان.. وكنا شهوداً على تلك الأحداث بحكم المرحلة السنية التي كنا نعيشها. في تلك الأثناء بدأت الاقلام تعرف طريقها إلى الأصابع.. وصار لرائحة الحبر عبير تستنشقه الأنوف فتستطيبه.. وكانت منافذ التعبير قليلة.. وهي إن وجدت فلا سبيل للطلبة أمثالنا إليها اللهمّ إلاّ مجلة «أخبار دبي» التي فتحت صفحاتها للعديد من الأقلام كي تسيل مدادها عليها فكان لها الفضل في تشجيع أقلام مازال عطاؤها متواصلاً حتى الآن وأخرى انسحبت من الميدان وقادتها دروب الحياة إلى ميادين أخرى واصلت العطاء فيها.. في ظروف كهذه انبثقت لدى مجموعة من الشباب فكرة إصدار مجلة يرسمون سياستها ويحررونها ويديرونها بأنفسهم فخرجت إلى الوجود مجلة «الأهلي» التي قدّمت نفسها للقراء «مجلة ثقافية اجتماعية شهرية يصدرها النادي الأهلي بموجب امتياز خاص من دائرة الاعلام بدبي». كان الصديق محمد عبيد غباش هو صاحب الفكرة وأكثر المتحمسين لها، وكان هو الدينامو الذي يحرك المجموعة ويتابع خطوات الإصدار.. وكان أغلبنا طلبة ما أن ننتهي من استذكار دروسنا وحل واجباتنا المدرسية حتى ننطلق إلى «مطبعة دبي» حيث كانت المجلة تطبع لنتابع صف حروف الرصاص وكتابة العناوين التي كانت تخط باليد وإخراج الصفحات الذي كنا نتدخل فيه على قلة خبرتنا أو إذا أردت الحقيقة انعدامها ثم الدفع بها للطباعة.. وكنا إذا ما خرجنا من المطبعة ألفينا أصابعنا مخضبة بالحبر وملابسنا ملطخة به.. ومع ذلك فقد كنا نعشق رائحته إذْ كانت فرحتنا بخروج العدد من المطبعة تعادل الفرحة باستقبال مولود جديد وكانت النشوة برؤيته تفوق كثيراً نشوة المتع التي نرى شباب اليوم يجدون فيها أنفسهم مما لم نكن نفكر به أو يقع في دائرة اهتمامنا. أيُّ نَفَسٍ كانت تلك النوعية من المجلات تحمل في مرحلة كانت الفضاءات فيها رحبة والآمال عريضة والمجتمع يعيش فترة الانتقال من الفقر إلى الغنى.. ومن الكيانات الصغيرة المتفرقة إلى الكيان الوحدوي الكبير.. ومن البساطة في كل شيء إلى الحياة المدنية الحديثة بكل ما فيها من تعقيد ندفع اليوم ثمنه؟ إنه نَفَسُ البدايات بما تحمله من طموح ونظرة إلى المستقبل.. المثالية فيها متوهجة.. والرغبة في تجاوز السلبيات عارمة.. ووتيرة حث الخطى للامام فيها عالية.. فما الذي حدث، على مدى ثلاثين عاماً منذ تلك التجارب الواعدة؟ وما الذي يدعونا إلى الربط بينها وبين اصدار جديد في زمن مختلف يفترض أن تكون قد تبدلت فيه أحوال؟ هل هي حتمية تراكم الخبرة التي اقتضاها التنقل بين مواقع مختلفة والمرور بمحطات شكلت بعضها علامات بارزة في حياتنا وتركت بصمات ربما كان غيرنا أقدر على تحديد مقدار ما أسهمت به في عملية الانتقال هذه إذا ما وضعنا في الاعتبار ـ دونما ادعاء أو مزايدة ـ أن الهم الوطني لم يغب يوماً وكان حاضراً في جميع الأوقات ملازماً لكل خطوة خطوناها خلال هذه المراحل؟ ربما كانت هذه الفرضية صحيحة، من حق أنفسنا علينا أن نقولها ومن حقنا على أنفسنا أن تتقبلها راضية دونما ضيق أو تأفف، إلاّ أن الصحيح أيضاً هو حتمية التغيير الذي يفترض أن يكون قد حدث في مجتمع الإمارات على مدى ثلاثين عاماً كاد جيل خلالها أن يختفي، وتسلم زمام الأمور فيها جيل كنا قد سمينا أفراده شهوداً على مرحلة البدايات.. فإلى أي مدى نجح هذا الجيل في بلورة طموحاته وتجسيدها على أرض الواقع؟ وإلى أي مدى ترجم أحلامه إلى حقائق؟ وإلى أي مدى كان متوافقاً مع نفسه صادقاً معها.. وبالأخص اولئك الذين أتيح لهم أن تكون لهم منافذ يعبّرون من خلالها عن تلك الآمال والطموحات ويسكبون مكنون صدورهم وعقولهم على الورق؟ ثمة اسئلة كثيرة تطرح نفسها عن حجم الصخور التي وقفت في طريق تحقيق تلك الآمال.. وحجم الأمواج العاتية التي اعترضت إبحار السفن.. وحجم الرياح التي عصفت بأشرعتها.. وإلى أي مدى كنا ماهرين في قيادتها للعبور بها إلى مرافيء الأمان؟ ثمة تساؤلات ايضاً عن مدى حاجتنا في هذه المرحلة إلى أصوات مخلصة كما كانت الحاجة ملحة أيضاً في مرحلة البدايات كي تمحّص حالة وطن خاض تجربة فريدة في البناء انتقل بها من عهد فقر وتخلف إلى عصر نهضة حضارية تحسده عليها الكثير من الشعوب بعد أن هيأ الله له قيادة حكيمة سخّرت ثروات أرضه لما فيه خير الشعب بعد سنوات عجاف عانى خلالها من شظف العيش وقلة الموارد وصعوبة الحياة بكل ما في هذه التجربة من نقاط قوة وضعف ونواحي سلب وإيجاب. وليس ثمة شك في أن ساحة الفكر المستنير لدينا ستظل فاتحة ذراعيها لكل جهد مخلص ينأى بنفسه عن مستنقع الإسفاف الذي غدت تخوض فيه أقلام كثيرة ومطبوعات لا همّ لها سوى الجري خلف أخبار الفنانين والفنانات وتتبع فضائحهم وتزيين أغلفتها بصورهم الباهتة على كثرة ما فيها من ألوان، كأني بها تعبّر عن لسان الحال وتغني عن المقال حتى يغيّر الله من حال إلى حال.