انسحبت فجأة، ودون اعتذار، من اجتماع مع نائب وزير الخارجية الأمريكي رتشارد ارميتاج. ألغت محادثة هاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي نفسه.. وأخرى مع وزير خارجية بريطانيا. وأثناء جولة الرئيس الأمريكي جورج بوش داخل أوروبا انتقدت علنا المشروع الأمريكي لاقامة نظام دفاع صاروخي قومي. هذه هي السيدة ماكيكو تناكا وزيرة الخارجية في الحكومة اليابانية الجديدة. وهكذا وأخيرا انضمت اليابان إلى القوى الدولية التي أخذت تجهر بالمعارضة ضد الولايات المتحدة وسياساتها الدولية التي لم تعد تكترث بمصالح الآخرين حتى لو كانوا حلفاء من بين الدول الصناعية المتقدمة. لقد ووجه الرئيس الأمريكي أثناء جولته الاوروبية بانتقادات حادة على الصعيد الحكومي ومظاهرات عاصفة على الصعيد الشعبي. وبينما كان رؤساء حكومات الاتحاد الأوروبي يعربون لجورج بوش عن معارضة صريحة لمشروع النظام الصاروخي جرى الاعلان في جزء آخر من العالم لانشاء نادٍ جديد معادٍ للولايات المتحدة باسم «مجموعة شنغهاي للتعاون». والاشارة هنا إلى مدينة شنغهاي الصينية التي اجتمع فيها ممثلو الصين وروسيا وعدد من دول آسيا الوسطى وأعلنوا للعالم اعتزامهم مناوءة المد العالمي للهيمنة الأمريكية. هذان الحدثان ـ تعرض الرئيس الأمريكي للانتقاد في أوروبا وقيام النادي العدائي الجديد في آسيا ـ تزامن معهما في أمريكا اللاتينية خروج الرئيس الكوبي فيديل كاسترو إلى شوارع العاصمة هافانا يقود مظاهرة ضخمة عبرت عن تضامن مع الشعب الفلسطيني بقدر ما عبرت عن غضب ضد اسرائيل والولايات المتحدة. ومشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي الذي أثار دول الاتحاد الأوروبي مع روسيا والصين تقدمه واشنطن كمشروع من أجل المحافظة على السلام العالمي مستقبلا بينما هو في الحقيقة مدعاة إلى حرب عالمية ثالثة. ثم انه مشروع يخرق معاهدة دولية يبلغ عمرها نحو ثلاثين عاما. وتتعلق المعاهدة بالصواريخ عابرة القارات المحملة برؤوس نووية. ففي مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي توصل قطبا الحرب الباردة ـ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ـ إلى قناعة نهائية بأن امتلاك كل منهما لمثل هذه الصواريخ عابرة القارات خلق توازنا للرعب تفرض الحكمة ان يحافظ الطرفان ـ وكل القوى الدولية الأخرى ـ عليه بعد أن أدركا ان اندلاع حرب يستخدم فيها مثل هذه الصواريخ من الجانبين لن يكون لها أي معنى لانها سوف تؤدي ليس إلى تدمير كل منهما بل تدمير العالم كله والحضارية البشرية بأسرها. أما الخرق الأمريكي لهذه المعاهدة، وبالتالي الاخلال بمعادلة توازن الرعب الراهنة، فانه يتمثل في ان المشروع الأمريكي ينطوي على ايجاد جيل جديد من الصواريخ ينطلق من قواعد في الفضاء الخارجي. وإذا قررت الولايات المتحدة الشروع في تنفيذ هذا المشروع فان اختلال التوازن المرتقب سوف يضطر القوى المنافسة ـ تحديدا الصين وإلى درجة أقل روسيا ـ اما إلى انشاء مشروع مماثل، مما يعني عودة العالم إلى سباق التسلح الرهيب، أو توجيه ضربة استباقية نووية إلى الولايات المتحدة قبل استكمال مشروعها.. فتنشأ تلك الحرب النووية العالمية التي تعنى نهاية العالم والبشرية. ما الذي يدعو الولايات المتحدة إذن إلى التمسك بمشروعها الصاروخي؟ ليس هناك سبب موضوعي واحد. لكن هناك سببا غير موضوعي يتمثل في الشره الرأسمالي لملوك مجمع الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة. فالمشروع ينطوي على عشرات المليارات من الدولارات كأرباح لشركات التصنيع الحربي الأمريكي. وهذه الأنانية التي لا تكترث للآخرين ولا لمصير العالم هي التي تثير غضب القوى الدولية الأخرى على الولايات المتحدة.