لاحظ المفكر الموسوعي السوري المولد، قسطنطين زريق، في تقديمه لكتاب (ماهي منظمة الأمم المتحدة؟)، لريمون بارين، والذي نقله حسن صعب الى العربية، بأن دول العالم تحاول تنظم شئونها المشتركة في منظمة الأمم المتحدة، وأن (هذه المحاولة عرجاء ناقصة، من وجوه عدة، وأن أطماع الدول الكبرى ماتنفك تتلاعب بها، حتى لتكاد تقضي عليها، وأن أعمالها ومقرراتها لا تزال تسميها في الأكثر، المصلحة، والقوة، لا الحق والمبدأ). عصبة الأمم ما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها (1914 ـ 1918)، حتى نجحت الدول المنتصرة في تأسيس (عصبة الأمم). وساد الوهم بأن هذه المنظمة الدولية ضمان كاف للسلام العالمي، وتعزز هذا الوهم بعد أن دخلت ألمانيا هذه المنظمة الدولية، عام 1926 وأن ظلت الولايات المتحدة الأمريكية خارجها. بيد أن العصبة سرعان ماوقعت أسيرة العجز عن مواجهة المشاكل العالمية التي تفجرت، ابتداء من سنة 1935، ما أتاح لبعض الدول الكبرى أن تدوس ميثاق العصبة، على النحو المعروف، خاصة ايطاليا الفاشية، التي احتلت الحبشة. الى ألمانيا التي أعادت تسليح ضفة الرين اليسرى، وضمت النمسا، عنوة، اليها، ناهيك عن اندلاع الحرب الأهلية الأسبانية، وغياب تشيكوسلوفاكيا عن خريطة العالم. ماهيأ للعصف بعصبة الأمم، واندلاع الحرب العالمية الثانية (1939ـ 1945). وبهذا انهار نظام التعاون الدولي، الذي أخذت (عصبة الأمم) على عاتقها أن تجسده. الأمم المتحدة على هدير مدافع الحرب العالمية الثانية، وفي 14/8/1941 تم توقيع دول الحلفاء على (ميثاق الأطلسي). وفي مطلع 1944، تم الاعلان عن مبادئ الأمم المتحدة، وعشية انتهاء الحرب نفسها، انعقد مؤتمر دومبارتون أوكس، في أكتوبر 1944، ليتمخض عن اتفاق الدول الخمس الكبرى على (ميثاق الأمم المتحدة). وفي مؤتمر سان فرانسيسكو (25/4 26/6/1945)، عمدت احدى وخمسون دولة الى مراجعة هذا الميثاق، واعتماده بالتالي. وفي 24/10/1945 صادقت الحكومات المعنية على هذا الميثاق، فغدا شريعة الأمم المتحدة في حياتها الدولية. تميز الميثاق الجديد على سلفه، ميثاق عصبة الأمم، بأنه أقام الأمن العالمي على ضمانات مباشرة، وسن عقوبات صارمة ضد كل من ينتهك القانون الدولي. مع هذا كله ظلت الأمم المتحدة رهينة ميزان القوى العالمي، الذي خرج من الحرب العالمية الثانية مائلا، تماما، لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، التي جنت ثمارا عدة من تلك الحرب، على حساب ألمانيا وايطاليا، بل على حساب حليفات الولايات المتحدة نفسها، خاصة بريطانيا، وفرنسا، ناهيك عن الاتحاد السوفييتي، الذي احتل خانة (العدو)، بعد أن خلت هذه الخانة بهزيمة ألمانيا وايطاليا. تأسى رأس الدولة السوفييتية، آنذاك جوزيف ستالين لميل ميزان القوى العالمي الصالح الامبريالية الأمريكية، لكن القائد السوفييتي وجد في تلك المنظمة الدولية، في حينه: (منبرا لفضح الامبريالية). حين فقد ستالين صبره، وأمر بانسحاب الاتحاد السوفييتي من الأمم المتحدة، سنة 1950 خانة ترك المنظمة الدولية لقمة سائغة للامبريالية الأمريكية، ما أتاح الاخيرة، فرصة الاستئثار بالأمم المتحدة، وتسخيرها لخدمة المصالح الأمريكية ومصالح حليفاتها، والدول الدائرة في الفلك الأمريكي حتى أن تلك الامبريالية لم تجد صعوبة تذكر في استصدار قرار من الأمم المتحدة، بشن الحرب ضد كوريا الشمالية (الشيوعية)، تحت راية الأمم المتحدة. واكتشف السوفييت خطأهم الكبير، فعادوا صاغرين الى هذا المحفل الدولي، ليكبحوا جماح الامبريالية الأمريكية، ويحدوا من استئثارها بالأمم المتحدة، وتسخيرها لها في الأطماع الأمريكية، وماأبشعها! تصلح قضية كوريا وسيلة ايضاح على أهمية العمل داخل الأمم المتحدة. فقد منع التوازن الحرج هذا المحفل الدولي من حسم قضية استقلال كوريا، منذ قامت الأمم المتحدة. وما انتهى الى قيام كوريا الشمالية، التي تبنت الفكر الشيوعي، فيما تدخلت الأمم المتحدة، وأشرفت على انتخابات برلمانية فيما تبقى من كوريا، فولدت كوريا الجنوبية، المنحازة الى المعسكر الأمريكي. في 25/6/1950 أبلغت الولايات المتحدة الأمم المتحدة بأن قوات كوريا الشمالية هاجمت كوريا الجنوبية. فاجتمع مجلس الأمن الدولي، وأدان هذه الهجوم، ودعا الى وقف القتال، وانسحاب قوات كوريا الشمالية الى خط عرض 38 وطلب المجلس الدولي الاعضاء تقديم المعونة في تنفيذ هذا القرار. بعد يومين، وبسبب استمرار القتال، أوصى مجلس الأمن الدول الأعضاء بامداد كوريا الجنوبية بالأسلحة فتسترت الادارة الأمريكية بهذه التوصية، وحركت قواتها البحرية والجوية في اليوم نفسه، لدعم كوريا الجنوبية. وسرعان ماحركت الولايات المتحدة قوتها البرية الى كوريا الجنوبية، للاشتراك في القتال، الذي حمى وطيسه هناك. في 7/7/1950 دعا مجلس الأمن جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة كي ترسل قواتها الى كوريا الجنوبية، تحت قيادة موحدة، وعلم الأمم المتحدة فأرسلت ست عشرة دولة قوات، فيما اكتفت خمس دول اخرى بارسال معونات طبية. وزجت كوريا الجنوبية قواتها تحت لواء الأمم المتحدة. حدث هذا كله، بينما الاتحاد السوفييتي مستنكف، متغيب عن مجلس الأمن، لمدة ستة أشهر، احتجاجا على استمرار شغل فرموزا مقعد الصين في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن. فيما كان النظام الشيوعي قد تولى السلطة في الصين، وأطلق عليها اسم (الصين الشعبية). لذا اكتفى الاتحاد السوفييتي برفض قرارات مجلس الأمن، ولم يعترف بصحة التصويت عليها داخل المجلس. لكن رفضه واعتراضه ذهب ادراج الرياح، بسبب مقاطعته لجلسات مجلس الأمن، آنذاك. استمر القتال في كوريا ثلاث سنوات متصلة، حتى توقف، في 27/7/1953، ووقعت الهدنة، وانعقد مؤتمر سياسي، في السنة التالية، لكنه اخفق في التوصل الى أي اتفاق. فيما دأب الاتحاد السوفييتي على طرح مسألة طرد فرموزا، واحلال الصين الشعبية في مقعدها في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي. وظل منحنى التصويت داخل الجمعية العمومية للأمم المتحدة يصعد لصالح الصين، حتى تمت الموافقة على دخولها هذا المحفل الدولي، وطرد فرموزا منه، في1971. انهيار التوازن يرى الخبير المصري النابه في القانون الدولي، د.محمد فتح الله الخطيب بأن الأمم المتحدة لها حق الاشراف، والمراقبة، والمناقشة، ماجعلها برلمانا عالميا، لكن بدون سلطات البرلمان، في التشريع، وسن القوانين. ذلك أن توصيات الأمم المتحدة غير ملزمة. لكن هذا المحفل الدولي على أقل تقدير منبر عالمي للدول، منه تعلن سياساتها، وتعبر عن آلامها، وآمالها، وتسهم في التأثير على الرأى العالم العالمي. فيما انيط بمجلس الأمن الدولي حفظ السلم والأمن الدوليين وقرارات هذا المجلس ملزمة. بيد أن الدول الكبرى حولت الأمم المتحدة الى ساحة للحرب الباردة، فتمادت تلك الدول في استخدام حق النقض (الفيتو)، مما أضعف كثيرا سلطة مجلس الأمن، وزاد من أهمية الجمعية العمومية للأمم المتحدة. الى ذلك تشجع طريقة التصويت في هذه الجمعية على تشكيل المجموعات الدولية داخلها. ومع سقوط (المعسكر الاشتراكي)، 1989، وانفراط عقد الاتحاد السوفييتي، بعد عامين، خلا الميدان للامبريالية الأمريكية، كي تصول وتجول، بمجرد أن غاب الرأس الآخر للنظام الدولي، وغدا هذا النظام برأس واحدة، تستأثر الى حد كبير بمقدرات العالم، وبالقرار السياسي العالمي. حتى كف مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي عن استخدام (الفيتو)، مادامت الأمور دانت لدولته على أن (الفيتو) الأمريكي عاد الى الظهور، بعد ما يربو قليلا على خمس سنوات، اذ استخدم المندوب الأمريكي (الفيتو) في مجلس الأمن، لمنع صدور قرار ضد اسرائيل، بسبب اقدامها على بناء مستوطنة فوق جبل أبوغنيم. مايعني بأن الولايات المتحدة لم تعد منفردة بالأمم المتحدة، ومنظماتها، وأن قبضة الامبريالية الأمريكية قد بدأت تتراخى، وجاء التصويت الأخير في لجنة حقوق الإنسان المنبثقة عن الأمم المتحدة، والذي سقطت فيه الولايات المتحدة، سقوطا مدويا، خسرت بموجبه مقعدها في هذه اللجنة ماشكل لطمة قوية لهيبة دولة عظمى، وطعنا عالميا في سجل الولايات المتحدة في مجالس الجهات الديمقراطية وحقوق الإنسان. وبعد، فإن الأمم المتحدة لا تحسن أمرا، ولا يجب التواكل عليها بعدد حركات التحرر الوطني، دون أن ينفي ذلك الدور المساعد الذي تؤديه الأمم المتحدة في تلك الحركات، فيما يبقى لكفاح هذه الحركات الدور الرئيسي في تحقيق الاستقلال. وفي هذا الصدد علينا الحذر من التهوين في دور الأمم المتحدة، او التمهل فيه. ـ كاتب فلسطيني