جاءني صوتها عبر الهاتف حزيناً، وكأن أدمعها المحبوسة في محاجرها تكاد تبلل أسلاك الهاتف.. انه صوت أم غلبتها الآلام ولم تستطع التغلب على ظلم الأيام، مأساتها عبرت عنها كلماتها، قالت: تابعت أكثر من مرة ما كتبت ولا أدري لماذا وجدت دافعاً قوياً يلح عليَّ بالتحدث إليك، علني أبثك أشجاني وأحزاني، فأنا أم لأربعة أبناء، زوجي رجل بسيط يواصل النهار بالليل علّه يفلح في تأمين لقمة العيش لنا، وبعض ضرورات الحياة، عشنا منذ سنوات على هذه الأرض الطيبة، كل ما كنا نأمله ان نعيش حياة هادئة هانئة يحفها الأمان، ويظللها الستر، ويدثرها الرضا والقناعة بما يقسمه الله من رزق. لكن ظروفاً صعبة داهمت زوجي وحرمته من وظيفته وبعد طول بحث وعناء وجد عملاً بنصف راتبه السابق، ورغم ان الراتب بالكاد يكفي لضرورات الحياة وتغطية تكاليف المعيشة، إلا ان أمراً مهماً أطل برأسه وعقد الأمور وجعل الموقف صعباً، وتمثل ذلك في انتهاء اقامتي والأبناء الأربعة، ولأن القانون حدد شرطاً لتجديد الإقامات رهنا بحجم الراتب الذي يتقاضاه رب الأسرة باعتباره الكفيل، ولأن زوجي غير مستوفٍ لذلك الشرط، لم يكن أمامنا سوى تجاهل أمر التجديد مما يعني ان تصبح إقامتنا على أرض الدولة غير شرعية، ومخالفة للأنظمة والقوانين المعمول بها، وطرق زوجي كل الأبواب علّه يجد مخرجاً أو من يساعده، بل انه ضحى براحته حيث لجأ لعمل آخر يزيد به دخله لمواجهة متطلبات الحياة، إلا ان المطلوب هو شهادة بالراتب تشير لما يتقاضاه شهرياً وبما يمكنه من تجاوز شرط التجديد، ومرت سنوات وكل الأبواب موصدة في وجوهنا، وطبعاً حرمنا من السفر في الإجازات لموطننا الأصلي بسبب انتهاء الإقامة وعدم تجديدها، وكان لهذه المسألة انعكاساتها على حياتنا خاصة عند انجاز بعض المعاملات لي ولأبنائي، إذ تطلب الأمر صورة عن جواز السفر به إقامة سارية المفعول. أخذت تنهيدة حارة وطويلة وكأنها تجفف دمعة انسابت على خدها، ثم واصلت حديثها: نعم هناك مخالفة للقانون، ولكن ماذا نفعل والظروف أقوى من إرادتنا وامكاناتنا أدنى من سقف طموحنا في إقامة شرعية ومعيشة هانئة، ومما زاد الطين بلة تلك الرسوم التي فرضتها وزارة الصحة على الوافدين، حيث ارتفعت فاتورة المعيشة لدينا، خاصة ولدي أحد الأبناء يعاني من مرض يتكلف علاجه الكثير، والمشكلة اننا في ظل انتهاء اقامتنا ليس في إمكاننا استخراج بطاقة صحية تخفض تكلفة العلاج. توقفت قليلاً وساد صمت رهيب حتى اعتقدت ان المكالمة انتهت، لكنها فجأت قالت لي: اننا ندرك كرم الخصائل وحسن الشمائل لولاة الأمر في هذا البلد الطيب، كما انني أذكر انه قبل بضع سنوات اتخذ قرار بإعفاء المخالفين لقانون الجنسية والإقامة، مما أدى لتوفيق أوضاعهم وتسوية مشاكلهم، وإنهاء معاناتهم، بل اننا سمعنا منذ فترة ان قراراً مماثلاً سيصدر في هذا الشأن، وقد ظللنا نترقبه، وكلنا أمل حتى تنتهي معاناتنا.. بصوت هامس قالت لي: انها معاناتنا، واسمح لي انني أشركتك فيها، ولكن ما حيلة الغريق سوى التشبث ولو بقشة! نعم إنها بالفعل معاناة أم ومأساة أسرة، وأعتقد ان ذوي القلوب الرحيمة ممن هم على سدة السلطة سوف يتفاعلون ويتجاوبون مع معاناة هذه الأم والكثيرات مثلها من اللاتي يعانين في صمت. أملنا كبير في استجابة سريعة، وقرار أسرع يسهم في تقليل طوابير المخالفين، واستعادة التوازن للتركيبة السكانية، التي اختلت بوجود المقيمين بصورة غير مشروعة من المخالفين والمتسللين. آخر نقطة ان الليالي للأنام مناهل تطوى وتبسط بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار