يبدو ان ثقافة الفلفل الحار «والتيكا ماسالا» ببهاراته المثيرة الساحرة تغلبت بشكل ملفت على أطباق الأكل الانجليزية الباردة، وأصبحت حدثاً سياسياً يتصارع حولها صانعو السياسة ومنفذوها.. ويبدو أيضاً ان ثقافة الأكل والطبيخ المقبلة من الشرق لن ينحسر مدّها بانتهاء معركة سياسية هنا، وثقافية هناك، بل ستتواصل أمام ثقافات الأكل الأوروبية الأخرى، في ظل تيار العولمة المتسارع. وثقافة «الماسالا» أثارت ضجة سياسية خلال شهر ابريل الماضي عندما أعلن روبن كوك وكان وقتها يشغل منصب وزير الخارجية البريطانية، ان البريطانيين ليسوا جنساً، إذ لا يمكن تحديد الجنسية البريطانية من منطلق عرقي. ويبدو ان كوك خسر المعركة رغم دفاعه عن التعددية الثقافية، فقد فاجأ رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الأوساط السياسية في العاشر من الشهر الحالي بتقليص دور كوك بتنحيته عن رأس الدبلوماسية البريطانية ليحل محله جاك سترو وزير الداخلية السابق. ورغم إشارة بعض المراقبين إلى ان نقل كوك من موقعه السابق كثالث أهم شخصية في الحكومة إلى منصبه الجديد زعيماً لكتلة الأغلبية العمالية في مجلس العموم هو أقرب إلى تخفيض الرتبة، وان ذلك جاء نتيجة لخلافاته مع براون وزير المالية القوي، خصوصاً حول العلاقة مع أوروبا وعملتها اليورو، إلا ان البعض الآخر يشير إلى ثقافة «التيكا ماسالا» التي كان يتبناها كوك. وكان السجال السياسي قد تُبِّل بالبهارات والفلفل الحار عندما وصف كوك فكرة جنس بريطاني نقي بأنها مجرد أوهام، بينما أكد ان الهجرة ضرورية ومرغوبة بالنسبة للاقتصاد والمجتمع البريطاني الذي يشهد معدلات مواليد منخفضة. وشرح كوك قدرة بريطانيا على الاستيعاب والتكيف مع المؤثرات الخارجية حيث أشار إلى أن طبق الدواجن الهندي المعروف باسم تيكا ماسالا أصبح الطبق القومي في بريطانيا. وقد رفع كوك درجة حرارة الحوار السياسي، باتهامه وليام هيج زعيم المحافظين البريطاني بتشجيع الآراء العنصرية في حزبه، مشيراً إلى ان على هيج ان يتحمل نصيبه من اللوم للطريقة التي هاجم بها عدد من أعضاء مجلس العموم الخطوات الرامية إلى بريطانيا متعددة الثقافات. ولأن ثقافة الفلفل الحار بدأت تجتاح أوروبا، فإن إيطاليا أيضا تشهد عودته ولكن بشكل مختلف، فالايطاليون منشغلون الآن بالفلفل الأحمر كمادة طبية علاجية، وكمحسن للمزاج، والأهم من هذا وذاك كفياجرا طبيعية غير مكلفة. وحتى لا نذهب بعيداً، فقد تخلى «زميلنا في المهنة» الصحافي الايطالي اينزو موناكو عن عمله في صحيفته وركز اهتمامه في قضية واحدة وهي ثقافة الفلفل والأكل بعد ان أصاب كتابه المعنون «الفلفل امبراطورا» نجاحاً مدويا في مجتمع يعشق الفلفل الحار. ويدّعي اينزو في كتابه ان الفلفل الحار ليس خضرة مطبخية فحسب، بل ثقافة كاملة، مشيراً في كتابه إلى حكاية الفلفلة الأولى التي عاد بها كريستوفر كولومبوس إلى أوروبا، ولا يقف هنا فقط، بل يتحدث كذلك عن مناقب الفلفل وقدرته على شفاء الأمراض ووقف تساقط الشعر وقدراته المثيرة على إيجاد طاقة جنسية تفوق تلك التي تقدمها الفياجرا. وقد قام هذا الصحافي الذي أصبح نجماً بفضل الفلفل الحار إلى تأسيس أكاديمية تتولى تنظيم الفعاليات والاحتفالات الشعبية التي تكرس الفلفل الحار كظاهرة ثقافية وغذائية وصحية إضافة إلى محاولاته إلى عولمة منظمته التي تضم الآن 5 آلاف عضو. ولأن ثقافة الفلفل الحار ماضية لا ريب، فقد اقتحمت عالم السياسة الإيطالية بسائر اتجاهاتها، مثلها مثل البريطانية، فنشأت تحالفات حارة جداً بين اليسار واليمين تمجيداً لثقافة الفلفل، وأعلن كلا الحزبين الشيوعيين العاملين في ايطاليا الفلفل الأحمر الحار شعاراً لاحتفالاتهما الصيفية. ولم تقف الدعاية لهذه الثقافة هنا فقط، بل صرح الزعيم اليميني فرانشيسكو في التلفزيون بأنه كافح سمنته المفرطة بواسطة حمية الفلفل. ويبدو ان الصحافي اينزو موناكو سيكون سعيداً هذه الأيام إذ ستشهد مدينة تورليزا على بحر كومر مهرجانا للفلفل سيشارك فيه وسينتهز الفرصة لاستعراض عضلاته وطرح أفكار حارة جداً. وما دمنا نتكلم عن ثقافة الأكل أنقلكم إلى ألمانيا حيث افتتح في كولون مطعم خفي، يتميز بأنه يقدم وجباته في الظلام الدامس حرصاً على تخصيص الضيوف بمتعة تناول الطعام دون تمييز، والمثير ان عمال الخدمة جميعهم من المكفوفين ويأخذون على عاتقهم مهمة قيادة المفتحين في الظلام. وعلق رئيس المطعم ان أكثر عناصر الجذب في المطعم هو أن الآخرين لا يراقبون الشخص، كيف يأكل أو كيف يتصرف ثم انه لا يعرف ماذا يأكل عدا عن تخمينه للروائح المتطايرة. وقد يعترض البعض على طول فترة الوجبة التي تستغرق ساعتين في الظلام خاصة خبراء علم النفس الذين يشيرون إلى انها قد تثير الفزع في قلوب الضيوف، إلا ان مدير المطعم يستدرك الأمر، فيشير إلى انهم يدركون ذلك، وبالمقابل سيقضون على أوقات الانتظار المظلمة من خلال عازف بيانو أعمى سيخفف بمعزوفاته المثيرة حدة القلق، ويؤكد مدير المطعم من جديد على ان القلق هو جانب من ثقافة الأكل في المحلات المظلمة وليس حالة فزع كما يعتقدها البعض! والسؤال الذي يطرح نفسه أين نحن من ثقافة التيكا ماسالا والفلفل الحار والبرياني؟ انتظروا.. فالاجابة تحملها تيارات العولمة المتسارعة.