ما هي الدوافع وراء قبول قيادة السلطة الفلسطينية ببنود الخطة الامريكية «لتثبيت وقف اطلاق النار» بعد ان «نقحها» صاحبها جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية وتقدم بها في شكلها الاخير الى الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي؟ هل كان قرار الموافقة الفلسطينية صادرا عن قناعة نهائية ام عن دوافع «تكتيكية» في باب المناورة الدبلوماسية؟ لا توجد اجابة قاطعة عن هذا السؤال لكن قرائن الاحوال المتوافرة تقتضي اعطاء القيادة الفلسطينية فائدة الشك كما يقول القانونيون. ان الخلاصة النهائية لخطة تينيت، اذا طبقت هي ذهاب الانتفاضة الفلسطينية في ذمة التاريخ.. وليس على يدي اسرائيل وانما بفعل اجهزة أمنية فلسطينية. ولبشاعة هذه الجريمة فإن من الصعب جدا تصور ان القيادة الفلسطينية ارتضت لنفسها ركوب مخاطرة بهذه الجسامة.. وفي ظل الشح المعلوماتي بشأن النوايا الحقيقية لقيادة السلطة الفلسطينية فإننا يجب ان نأمل بأننا لا نرتكب خطيئة الاسراف في التفكير الرغبوي اذا تراءى لنا اولا، ان السلطة اتخذت قرارها بالموافقة المبدئية على الخطة الامريكية بالتنسيق مع قادة الانتفاضة الميدانيين، وثانيا، ان الجميع اجمعوا على ان هذه الموافقة تكتيكية وقتية. واذا صحت هذه الفرضية، وهي يمكن ان تكون قريبة جدا من الصحة، فإن جنوح السلطة الفلسطينية، بدعم كامل من قيادات الشارع، الى المناورة الدبلوماسية كاجراء مرحلي مسلك مفهوم. لقد وافق الجانب الاسرائيلي على الخطة الامريكية، وازاء هذه الموافقة، رغم عدم جديتها، فإن رفضا فلسطينيا للخطة سوف يعطي الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي مبرراً كافياً لابلاغ العالم بأن الفلسطينيين هم الطرف المعتدى وان الاسرائيليين لا يمارسون بالتالي سوى حق الدفاع عن النفس. ان ما يغري بالاقتناع بأن السلطة الفلسطينية لم تبع الانتفاضة هو انها لم تتبع موافقتها المبدئية على بنود خطة تينيت بالتوقيع على الوثيقة نفسها. وفي هذا يقول ياسر عبدربه وزير الاعلام الفلسطيني: «هذه الورقة مجرد ورقة تمهيدية لانهاء الحالة الاستثنائية التي فرضها الاحتلال.. والتوقيع يكون عند الاتفاق على تطبيق توصيات لجنة ميتشيل ووقف جميع النشاطات الاستيطانية». وهناك اسباب اخرى منها رفض السلطة الفلسطينية المطلب الاسرائيلي الامريكي باعتقال ناشطي «حماس» و«الجهاد» ومن المؤشرات الجديرة بالتأمل ان قادة هذين التنظيمين الاسلاميين، اذ اعلنوا رفضا قاطعا للخطة الامريكية مشفوعا بتوعد باستمرار المقاومة ضد اسرائيل، فإنهم لم يقدموا على مهاجمة السلطة الفلسطينية او حتى مجرد انتقادها. مع ذلك فإن الوضع في اجماله ليس واضحا بصورة كاملة،.. وقد يبقى كذلك لفترة ايام.. وربما اسابيع، وفي هذه الاثناء يخشى ان تسرف قيادة السلطة الفلسطينية في ممارسة لعبة المناورات الدبلوماسية بما قد يؤدي الى تورطها في مأزق. فماذا لو فاجأ شارون الجميع باعلان قرار بوقف النشاطات الاستيطانية كما تطالب بذلك السلطة الفلسطينية: هل توقع قيادة السلطة على «وثيقة تينيت»؟ لننتظر حتى نرى ما تأتي به الايام.