لا تنفصل ممارسات شارون العدوانية والوحشية ضد الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني عن الأيديولوجية اليهودية التي يعتنقها وتتسم بالعنصرية والعنف واستحلال حرمات الآخرين(الاغيار - الجويم) من أرواح وأراض وثروا. ولتمسكه بهذه الإيديولوجية فإنه ليس على استعداد لاستيعاب دروس التاريخ سواء القديم أو الحديث، ومنه ما يتعلق باليهود أنفسهم، وما حاق بهم من قتل وطرد وتشريد عبر القرون على أيدي الشعوب الأخرى بسبب مؤامراتهم الدائمة وما يثيرونه من فتن ومحاولات للسيطرة على ثروات هذه الشعوب والتحكم في مصائرها، ناهيك عن درس الحروب الصليبية التي تثبت أن الصليبيين بعد 192 سنة من استعمارهم لفلسطين والشام عادوا خائبين إلى بلادهم، ودرس الاستعمار الفرنسي في الجزائر حيث إضطرت فرنسا بعد عشرات السنين من احتلال واستنزاف الجزائريين أن تغادرها تحت ضغط مقاومة الشعب الجزائري، ودرس الحرب الفيتنامية، حيث نجح الشعب الفيتنامي الفقير في هزيمة وإذلال جيش الولايات المتحدة أكبر دولة عظمى في التاريخ الحديث وإجباره على الانسحاب من فيتنام، كذلك نهاية الحكم العنصري في جنوب أفريقيا بعد قرون من حكم الأقلية البيضاء. كل هذه الدروس وخبرات التاريخ يتغافل عنها شارون سواء بالوعي أو باللاوعي بسبب بسيط، وهو تشبعه بالعقيدة الصهيونية التي تعتمد العنف والإستيلاء على الأراضي العربية واستيطانها باليهود بعد طرد أصحابها الشرعيين منها.. سبيلا لتحقيق أهداف المنظومة الإستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى، والمتمثلة في (إسرائيل الكبرى) أو (أرض إسرائيل الكاملة) كما يعبر عنها متطرفو الليكود اليوم. الأهداف الرئيسية لقد وضع شارون أمام الشعب الإسرائيلي أخيرا ثلاثة أهداف قومية على النحو التالي: الهدف الأول : إحضار مليون يهودي إلى إسرائيل والمناطق المحتلة خلال 12 سنة. الهدف الثاني: تنمية منطقة النقب إقتصاديا وسكانيا وإجتماعيا. الهدف الثالث : تجديد التعليم الصهيوني، وإعادة بعث العقيدة اليهودية في الشبيبة اليهودية. وفيما تعليق لصحيفة (هآرتس) على هذه الأهداف في عددها بتاريخ 14/4/2001) قالت: إنه إلقاء مبتذل يدل على ابتعاد شارون عن الواقع، فلم يعد هناك (إحضار) لليهود إلى هنا لمجرد أن رئيس وزراء إسرائيل يرغب في حضورهم ،وكذلك التعليم في دولة متقدمة ومفتوحة، ليس أداه في أيدي الحكم لتنمية تراث متعنت) ولكن ليس المضمون البائس لقائمة أهداف شارون هو الذي يضفي الاحباط على الشعب الإسرائيلي لغياب أي معنى للسلام في أهداف وسياسة شارون، لا بشكل فوري، ولا حتى في المستقبل القريب، إذ يعتقد شارون أنه في سبيل ما يسميه بـ (أمن إسرائيل المطلق) لا يجب الاهتمام بهدف مظهري مثل السلام، ولا حتى على المدى المنظور، ولكن يمكن الحديث عن إتفاق عدم قتال لفترة زمنية طويلة غير محددة. وفي هذا يقول شارون (عندما تتوقف أعمال العنف، آنذاك سوف اقترح على الفلسطينيين 42% من الأراضي المحتلة لاقامة دولتهم عليها مقابل إتفاق عدم قتال أبدي). وهو في هذا كما تقول «هآرتس» مثل ملوك البوربون لم ينس شيئا ولم يتعلم شيئا لاعتقاده بأنه أبو هذه المستوطنات ومنشئها، وكلها في نظره ذات أهمية أمنية قصوى، حيث تضمن سيطرة إسرائيل على طول غربي الضفة وعلى طول شرقها، وكذلك على الطرق التي تربط بينهما، وأيضا على أجزاء كبيرة من قطاع غزة المكدس بالفلسطينيين، والذي يعتقد شارون أنه تنبت في أوساطهم بذور (الإرهاب) الذي سيهدد إسرائيل على المدى البعيد، ومن ثم ينبغي في نظره استمرار حصار مدن ومخيمات قطاع غزة بالمستوطنات والقوات الإسرائيلية والحواجز الحصينة التي تمنع إنتقال الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل. ومثلما يشهد شارون على نفسه بتباه فهو لم يتغير، فمازال يرى هدفه ودوره في التاريخ الإسرائيلي هو إحباط واجهاد تطلع الشعب الفلسطيني ليقيم لنفسه دولة إلى جوار دولة إسرائيل، وأن أقصى ما يمكن أن يمنحه لهذا الشعب المجاور هو مجموعة جزر متناثرة وإستقلال شكلى. ومازال شارون يحاول الأقتناع بأنه عن طريق سياسة عسكرية عنيدة سيدفع الفلسطينيين إلى قبول شروطه لأن الوقت لا يعمل ضد إسرائيل، وأن من يصبر أكثر في الصراع الدائر حاليا هو الذي سيفوز ويحقق أهدافه وهكذا لا يبدو أن الوقت يحتل إهتماما عند شارون، ولكنه مخطئ، ففي كل حرب من حروب الصراع العربي الإسرائيلي منذ حرب 1948 مرورا بحروب 1956، 1967، 1973 ثم 1982، وبعدها الإنتفاضة الفلسطينية الأولى 1987 ثم الثانية الدائرة حاليا، كان قادة إسرائيل ومن بينهم شارون يعدون الشعب الإسرائيلي بأنهم يحاربون من أجل سلام قريب في متناول اليد ، وفي حقيقة الأمر، فإن شارون بتماديه في سياسته المتعنتة هذه، يخدع الشعب الإسرائيلي ويسلبه أي أمل في السلام ، كما يحرمه من الأمن الذي وعده به، بل ويجهز له مصيرا أشبه بمصير أسبرطه. وعندما سئل شارون: هل سيظل السيف مشهورا إلى الأبد؟ أجاب: إن الشعب الطبيعي لا يسأل مثل هذه الأسئلة، ولكن المعنى الوحيد الذي يتماشى مع عقيدته وسياسته وسلوكه هو: نعم!! رؤية شارون لإسرائيل ينظر شارون إلى ذاته باعتباره يهوديا أكثر من كونه إسرائيليا. وبالرغم من أنه ليس متدنيا على الإطلاق إلا أنه يرى أنه من المهم للغاية أن يكون يهوديا. لذلك فهو يولي قدرا كبيرا من الإهتمام إلى أحوال اليهود ليس في إسرائيل فقط، ولكن أيضا في الشتات على الساحة العالمية، كما ينظر إلى إسرائيل ليس من المنظور الحالي فقط، ولكن من منظور تاريخي قديم وإلى اليوم ويمتد إلى قرون أخرى قادمة. ويعتقد أن الصهيونية تعد ثورة عظيمة الإنجازات، إلا أن فشل الحركة الصهيونية يرجع في رأيه إلى ابتعاد اليهود عن عالم القيم اليهودية، مما جعل إسرائيل تبتعد عن كل ما هو يهودي. ويشعر شارون أن هذه المرحلة من الإنكسار حدثت مع أبناء جيله الذين قاتلوا من أجل إقامة الدولة، غير أنه يرى أن عملية الابتعاد عن القيم اليهودية إزدادت حدة مع الأجيال اللاحقة التي ليست لديها أية معرفة بعالم العهد القديم أو التاريخ اليهودي، وبالتالي تفتقر الإحساس بالإنتماء إلى الأرض، وأن الإحساس بالإنتماء آخذ في التقلص. أما أكثر ما يزعج شارون فهو ذلك الإحساس بالوهن الذي يعتري علاقة الإسرائيلي بالأرض. حيث يذكر أنه من الوارد ألا تكون الشعوب الأخرى في حاجة إلى هذا الأمر، غير أن علاقة اليهود بأرضهم ووطنهم لا تتسم بالقدر الكافي من القوة. ونظرا لأن التعليم والإعلام في إسرائيل فشلا في مهمتهما في ربط الإسرائيلي بالأراضي، لذلك لم يعد لدى الكثيرين منهم الإحساس بأن لهم حقا مطلقا في الأرض، ومن دونهم من الفلسطينيين ليس لهم أية حقوق فيها، وهو ما تعلمه من أسرته ومن آباء إسرائيل الأوائل عبر سنوات حياته ، لذلك هو يصف نفسه بأنه شديد الارتباط بالماضي، ويحاول استعادة أمجاد مملكة داود، ويتذكره عندما يقف على تلال مدينة الخليل. ويذكر شارون أنه لا يرتبط بالماضي السحيق فحسب، وإنما يرتبط أيضا بكافة تفاصيل الاستيطان اليهودي التي وقعت على مدار المئة وعشرين عاما الأخيرة، وأن هذا النشاط يربطه بميراث حركة العمل، حيث يعتقد شارون أن إسرائيل لم تكن لتتواجد على هذا النحو دون النشاط الاستيطاني في مناطق (روحما) و(حانينا) و(داجانيا)، وأن هذا النشاط الاستيطاني هو الذي حدد حدود الدولة، وهو درعها ورصيد طاقتها. ولايزال شارون يستشهد في أحاديثه بمقولات زعماء إسرائيل الأوائل أمثال جابوتنسكي وبن جوريون وجولدا مائير ودايان، فعن مذبحة (قبية) التي أدارها شارون في 14/10/1953، بواسطة 600 جندي إسرائيلي، قاموا بنسف 56 منزلا ومدرسة ومسجدا، وراح ضحيتها أكثر من 850 شهيدا فلسطينيا، يتحدث شارون عن هذه المذبحة التي أدانها مجلس الأمن فيقول: (لقد قال لي بن جوريون عقب هذه العملية: لا تعبأ بما سيقوله العالم، ولكن أهتم بكيفية تسجيل هذه العملية في تاريخ المنطقة، وكيف ستؤثر على قدرة اليهود على الوجود وردع أعدائهم من جميع الجهات، خاصة وأنه لايمكن حراسة كل متر في أرض إسرائيل، كما لايمكن تأمين حياة كل اليهود المقيمين في المستوطنات الواقعة على الحدود، ولكن طبقا لفكر شارون، فإنه من خلال الردع يمكن تحديد ثمن حياة اليهود حتى يعيد العرب التفكير في الأمور قبل التطاول علينا! وينتقد شارون هؤلاء الإسرائيليين الذين يستخفون بتصميمه على المضي قدما في سياسة الاستيطان، ويرى أن هؤلاء الإسرائيليين يتجاهلون أن الاستيطان يوفر لإسرائيل عمقا إستراتيجيا، كما يمنحها موارد طبيعية واستراتيجية مهمة أبرزها المياه. كما تهدف المستوطنات إلى ربط إسرائيل بغور الأردن، كذلك يصر على إبقاء الطريق الذي يربط وادي الساحل بغور الأردن تحت السيطرة الإسرائيلية. عملية السلام أما فيما يتعلق بسوريا، فإن شارون يرى أنه من المستحيل أن تنسحب إسرائيل من الجولان، ويعتقد أن الهدوء الذي يسود الجولان يكمن سببه في قربها من دمشق ويزعم شارون أنه إذا أجرى إتصالات مع سوريا مستقبلا فسيطالب بهضبة الجولان والتقليل من حجم الجيش السوري خاصة في مجال الأسلحة الاستراتيجية.. كالصاروخية والمقاتلات القاذفة والأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وبخروج سوريا من لبنان. ولا يهتم شارون بخطة بيلين أبو مازن بشأن القدس، ويرى أنها غير قابلة للنقاش، إذا أنها لا توفر أية مناطق فاصلة بين الطرفين، كما أنها لا تضمن السيطرة على المياه، وتدعو إلى الانسحاب إلى حدود عام 1947. أما الخريطة التي يدعو شارون إلى تنفيذها، فتشمل إقامة منطقة أمنية شرقية يتراوح عرضها من 10-20 كم، وإقامة منطقة أمنية غربية يتراوح عرضها بين 5-7 كم، مع استمرار فرض السيطرة الإسرائيلية على القدس والنقاط الإسراتيجية الحيوية. ينظر شارون لعملية السلام من منظور أمني بحت، فهو يعتقد أنها مهمة حتى وإن كان هذا السلام عدائيا لأن ما سيتم التوصل إليه من إتفاقيات سيضمن عدم إطلاق النار والتنقل على نحو أمني بجانب علامات تجارية تصب في صالح الاقتصاد الإسرائيلي، ومن هنا فإنه لا يهتم بالتوصل إلى إتفاقيات سلام تقضي على حالة الصراع القائمة بشكل نهائي لأن هذا الصراع حضاري في الأساس بين العرب واليهود وسيستمر رغم كل ما يبذل وسيبذل من جهود لانهائه أو تخفيض حدته، لذلك فإن اهتمام شارون ينصب على التوصل إلى مستويات تضمن الاستقرار والردع وعدم تفجر الحروب، لذلك ينبغي على المفاوض الإسرائيلي ـ في رأيه ـ أن يركز اهتمامه في التوصل إلى تسويات أمنية مع الاحتفاظ بالأرض. يعتمد شارون بدرجة كبيرة على اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لتحقيق أهدافه فيما يتعلق بالعلاقات الإسرائيلية الأمريكية. حيث يسعى شارون إلى فصل الارتباط بين علاقات إسرائيل والولايات المتحدة وبين قضية السلام خاصة مع الفلسطينيين، فهو معني بأن يعالج الموضوعين كل على حدة في مسارين مستقلين حتى لا يتعرض لضغوط أمريكية فيما يتعلق بما يطلبه من مساعدات عسكرية واقتصادية إذا ما رفض المبادرات والعروض الأمريكية في عملية السلام، في حين أن المسارين يتقاطعان في حالات عديدة. فمن جهة سيطلب من واشنطن تلبية احتياجات خطة تطوير القوات المسلحة الإسرائيلية حتى عام 2025، في إطار إتفاق بعيد المدى يتم إبرامه في حدود عامين، بالإضافة لتقديم الدعم المالي اللازم لتنفيذ خطة تهجير مليون يهودي خلال 12 عاما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يسعى شارون إلى أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطها لتجريد الدول العربية والإسلامية (إيران وباكستان) من أسلحتها الاستراتيجية (خاصة الصواريخ البالستية)، في ذات الوقت الذي يطالب فيه شارون واشنطن بألا تعارض علاقات إسرائيل العسكرية مع الصين، حتى وأن تضمنت هذه العلاقات بيع إسرائيل تكنولوجيا عسكرية ذات أصل أمريكي. ـ خبير استراتيجي مصري