كان (المرض) مزمنا موجعا متوحشا.. عاش في عيني وقلبي وتحت جلدي ورافقني مثل ظلي سنوات طوال.. كانت أحلى ما في العمر.. جعلني مثل (الهولندي الطائر) الذي حكمت عليه (الاقدار) أن يبقي مبحرا طول العمر. لا ميناء من الموانئ يقبل الدخول إليه. ولا العاصفة ترضى أن تكون متسامحة معه.. ولا أسماك القرش مستعدة أن تتركه في حاله.. فكان وحيدا على ظهر سفينته يلعق جراحه بفمه أحيانا ويعقمها بماء البحر أحيانا أخرى. ويحشوها بالأصداف والملح غالبا. ويوم أصبت به هو نفسه يوم شفيت منه.. ولكن. بعد 24 سنة.. ففي يوم 5 يونيو 1967 أصبت به. وفي يوم 5 يونيو 2001 شفيت منه.. وكما أصبت به فجأة شفيت منه فجأة. ومن حكم القدر أيضا أن (روشتة) العلاج كانت تذكرة (سينما).. صدق أو لا تصدق..مجرد تذكرة (سينما). ساد الظلام قاعة العرض وإطمأن أغلب الجمهور إلى أن أكياس (البوب كورن) وزجاجات (المياه الغازية) التي حملوها معهم تكفي لملاحقة أحداث الفيلم الممتدة ثلاث ساعات حتى لا يتسرب اليهم الملل.. لكن.. بعد دقائق من بداية فيلم (بيرل هاربور) تساقطت أكياس (البوب كورن) ووضعت زجاجات المياه الغازية بجوار المقاعد وتساقطت الحواجز بين الصالة والشاشة وأصبح الجمهور والممثلون كيانا واحدا.. ومصيرا واحدا. و(بيرل هاربور) يعني شاطئ (اللؤلؤ) وهو يقع في جزيرة (هاواي) الشهيرة بالشمس والبشرة السمراء والنساء اللائي يعشن على الرقص. من وجبة الإفطار إلى وجبة العشاء.. لكنه على خرائط الجغرافيا المعلقة في (البنتاجون) أهم قاعدة بحرية عسكرية أمريكية قريبة من اليابان في المحيط (الباسفيكي) خلال الحرب العالمية الثانية.. كانت تضم 15 ألف جندي من مشاه البحرية.. و350 طائرة.. و19 سفينة وحاملة طائرات.. أشهرها (أوكلاهوما) و(نيفادا) و( أريزونا) و(وست فرجينيا).. وهي أحدث ما أنتجته العبقرية العسكرية الأمريكية التي كانت مترددة في دخول الحرب إلى جانب دول (الحلفاء) في مواجهة دول (المحور) وكانت تكتفي فقط بإرسال أطنان (الهامبرجر) و(الكوكولا).. وهي مسترخية وراء المحيط بعيدة عن مسارح العمليات. وقد كان ما يجري في قاعدة (بيرل هاربور) مثالا للإسترخاء العسكري الأمريكي.. فالضباط يبحثون عن المتعة مع الممرضات.وحفلات الترفيه.. والشرطة العسكرية لا هم لها سوى فض مشاجرات الجنود السكارى في الحانات.. والجنود السود الذين يعانون من عقدة الاضطهاد بسبب اللون يواجهون التفرقة العنصرية في حلبات ملاكمة غير متكافئة بينهم وبين الجنود البيض.. وكان القادة يقطعون الوقت بقراءة الروايات والشعر ولعب الشطرنج.. كانوا يعتقدون أن الحرب أبعد إليهم مما يتصورون.. خاصة وأن (طوكيو) كانت قد بدأت في إجراء مفاوضات للسلام بينها وبين (واشنطن). لم يشم الأمريكيون رائحة الشياط.. كانوا غافلين تماما عن ما يدبره اليابانيون الذين قرروا فجأة أن يحطموا الأسطول المعجزة في (بيرل هاربور).. وكانت حجتهم أن الأمريكيين قرروا وقف إمدادهم بالبترول الذي كان مخزونهم منه لا يزيد على 18 شهرا.. وفي سرية تامة وبعيدا عن كل ما يثير القلق والشبهات دبر اليابانيون لهذه العملية.. ونجحوا بالفعل في أن يحققوا عنصر المفاجأة وأن ينقضوا بالطائرات على ما في (بيرل هاربور) من عتاد وبشر.. وبجرأة تصل إلى حد (القلب الميت)..وبعنف يخلو تماما من الرحمة بدأت العملية في الساعة الثامنة من صباح يوم 7 (ديسمبر) عام 1941. في أقل من ساعتين دمرت 130 طائرة أمريكية وهي على الأرض.. وقتل 3000 جندي وضابط وغرقوا واحترقوا في النيران التي اشعلتها القذائف والإنفجارات.. وغرقت حاملة الطائرات (أريزونا) وقد حبس فيها 1300 جندي.. وماتوا تحت أنقاضها.. ولم يستطيع أحد إنقاذهم..وتحولت قاعدة (بيرل هاربور) إلى جحيم لا يمكن وصفه.. وكارثة كان من الصعب تداركها.. وعار من الوزن الثقيل على حد وصف الرئيس الأمريكي (تيودور روزفلت) أمام (الكونجرس) وهو يعلن دخوله الحرب في اليوم التالي. إنها صورة مبكرة لما جرى لنا في حرب (يونيو) .1967. فقد ضربت الطائرات المصرية على الأرض وهي راكدة في هناجرها.. واستخدمت إسرائيل عنصر المفاجأة في شل قواتنا.. في الحرب التي وصفت بحرب (الست ساعات) ونجحت في إحتلال (سيناء) و(الجولان) و(الضفة الغربية).. وضمت (القدس) وأعلنتها عاصمة (موحدة) لها. وكما كان الأمريكيون في (بيرل هاربور) يعيشون حياتهم بالطول والعرض كذلك كانت قيادة الجيش في مصر.. فقبل ساعة الصفر بقليل كانت فرقة من (الفنانات) تحيي حفلا في قاعدة (إنشاص) الجوية وسهر الطيارون حتى الفجر.. وبينما هم في فراشهم غارقون في سبات عميق كانت الطائرات الإسرائيلية تنفذ المهمة المكلفة بها على الطريقة اليابانية..وكما استمرت اليابان في مفاوضات السلام مع الولايات المتحدة من باب الخداع الاستراتيجي مدت الولايات المتحدة حبال الخدعة نفسها ووافقت على استقبال (زكريا محيي الدين) مبعوثا للرئيس (جمال عبد الناصر) في (واشنطن). وقبل أن يصل (زكريا محيي الدين) إلى العاصمة الأمريكية كانت عملية (الديك السمين) وهو الاسم الكودي لحرب (يونيو) قد بدأت..ومثل الأمريكيين في (بيرل هاربور) (لم يقاتل المصريون ولم يختبروا اسلحتهم. وحسبت عليهم حربا خسروها دون أن يدخلوها. وفي (بيرل هاربور) لم تستطع مخابرات البحرية الأمريكية أن تفك الشيفرة اليابانية.. ولم يعرف الأمريكيون بما سيفعله اليابانيون إلا بعد أن انتهت العملية.. في ذلك الوقت لم تكن وكالة المخابرات المركزية قد تكونت بعد.. كان هناك ما يسمى بالمكتب الاستراتيجي لم يكن بالكفاءة المناسبة والتي وضعت الولايات المتحدة في مأزق حرج.. وهو ما جعلها في حاجة ماسة إلى وكالة المخابرات المركزية.. وهو ما كان فور الرغبة الأمريكية الضاغطة للخروج من عار (هاواي) و(بيرل هاربور).. أما في (يونيو) 1967 فقد كانت المخابرات المصرية قد حذرت من الهجوم الإسرائيلي الوشيك.. لكن.. لم يصدق هذه المعلومات المصيرية) عبد الحكيم عامر القائد العام الذي رقي من رتبة (رائد) أو (صاغ) إلى رتبة لواء وقائد عام في قرار واحد دون أن يطور من خبرته العسكرية- وسافر إلى سيناء هو وكبار القادة بطائرة خاصة كادت أن تكون أول الأهداف الإسرائيلية عند بدء العمليات الحربية. ولو كانت (بيرل هاربور) قد أدت إلى ظهور أخطر جهاز مخابرات أمريكي فإن (يونيو) قد أدت إلى ما يعرف بسقوط دولة المخابرات في مصر.. وحوكم بعدها الرجل القوي (صلاح نصر) واصبح رمزا لكثير من الأخطاء والخطايا. واحتاجت المخابرات المصرية إلى بعض الوقت لإعادة إنصافها من جديد.. وساعدت الدراما السياسية على ذلك عبر مسلسلات وأفلام شدت إنتباه الناس أشهرها ما كتبه (صالح مرسي) مثل (رأفت الهجان) تليفزيونيا. و(الصعود إلى الهاوية) سينمائيا. وقد جلدت عملية (بيرل هاربور) الشعب الأمريكي تماما مثلما جلدتنا عملية (5يونيو).. لكن. لأننا كنا طرفا مباشر فيما جرى لنا فقد إنهالت السياط مباشرة على أجسادنا.. كنا الجيل الذي قيل عنه أنه كان على موعد مع القدر فإذا به على موعد مع الهزيمة.. وقيل له أنه في حماية أقوى قوة ضاربة فإذا بها أسرع قوة مضروبة.. وهو ما إنقلب إلى سيل من النكات الحادة الجارحة التي سخرنا بها من أنفسنا. ومن نظامنا السياسي. وقواتنا المسلحة. فكان أن وقف (جمال عبد الناصر) في مجلس (الأمة) ليطلب من الشعب المصري لأن يكف عن فلسفة ما جرى بالنكات حتى لا يستغلها أعداؤه. وإرتفع عدد ضحايا الأمراض النفسية والعصبية والعقلية من 50 ألف حالة في عام 1966 إلى 140 ألف حالة في عام .1979. وإزداد إلى حد الهوس معدل استهلاك المهدئات والمنبهات والمنشطات الجنسية وزادت جرائم العنف والإنتحار وتضاعف عدد المنتمين إلى الطرق الصوفية.. إنها أطواق النجاة التي تؤدي إلى مزيد من الغرق. وفي ذلك الوقت كتب (نزار قباني) قصيدته الشهيرة (هوامش على دفتر النكسة) فأعطى لنا مزيدا من السياط نمزق بها لحمنا. وأعطى لنا مزيدا من التفسيرات المؤلمة للديناصور الذي وجدنا أنفسنا أمامه وجها لوجه.. فلو خسرنا الحرب فلا غرابة لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة والعنتريات التي ما قتلت ذبابة. بمنطق الطبلة والربابة.. ثم تجاوز التفسير العسكري ليصل إلى التفسير السياسي.. فالأزمة في الديمقراطية. في فشل الكاتب والشاعر في مواجهة الكلاب المفترسة التي مزقت رداءه.. والمخبرون الذين يمشون وراءه..(لقد خسرنا الحرب مرتين.. لأن شعبنا ليس له لسان.. لأننا انفصلنا عن قضية الإنسان). ورغم أن (جمال عبد الناصر) خرج ليعلن على الملأ أنه وحده يتحمل مسئولية الهزيمة.. ورغم أن الهزيمة دفعتنا إلى حرب الاستنزاف.. وهي حرب إنتقامية جعلت إسرائيل تتألم. وتتوجع ورغم أن ما جرى في (يونيو) 1967 قد إنتهى عسكريا في (أكتوبر) .1973. لكن بقينا نجلد أنفسنا بالسياط..وكأننا استعذبنا الجلد.. وأدمنا السياط. لقد بقيت الهزيمة كسلحفاه لا تريد أن تغادرنا. فعمرها أطول. وحركتها أبطأ. أما النصر فبدأ وكأنه مثل عصفور ما أن حط على قلوبنا حتى أخذ بعضه وطار. لقد بقيت الهزيمة النفسية قادرة وقابعة ومسيطرة.وكأننا لا نريد أن تبتعد عنا.. ولم نتقبل كل ما كتبه (محمد حسنين هيكل) عن قدرة الشعوب على تجاوز جراحها.. ولم نتقبل كتابات الدكتور (لويس عوض) عن الحصانة الحضارية التي تحمي الشعوب العريقة من العثرات التي تعترض طريقها..لكن.. شيئا ما في فيلم (بيرل هاربور) جعلني أتجاوز كل ما بقى في شراييني من مشاعر الهزيمة.. وخرجت من الفيلم الذي تصادف عرضه في شهر (يونيو) وأنا أشعر أن حملا ثقيلا كان على صدري وانزاح.. فهل كان السبب هو أن الفيلم يقدم شهادة على أن الهزيمة قدر البشر مهما كانت قوتهم؟.. هل السبب هو أن الفيلم يثبت لنا ببراعة متناهية في تنفيذ مشاهد تحطيم الأسطول الأمريكي في (بيريل هاربور) أن دولة مثل (الولايات المتحدة الأمريكية) يمكن أن تتعرض لمثل ما تتعرض له دولة أخرى مثل (مصر)؟.. هل السبب هو النتيجة النهائية التي انتهت اليها الحرب.. وهي تدمر (اليابان) واستسلامها وخروجها تابعة للدولة التي كسبت منها الجولة الأولى.. (الولايات المتحدة)؟.. هل السبب هو التشابه الذي يصل الى حد التطابق بين (الولايات المتحدة) في (بيرل هاربول) و(مصر) في (يونيو) 1967؟.. لا أعرف بالضبط.. لكن ما أعرف بالضبط هو أن الفيلم حررني من حالة جلد الذات التي رافقت جيلنا طوال هذه السنوات.. وجعلته لا يثق فيمن حوله.. مهما كانت جاذبية وحيوية ما يقال. وقد قدم الفيلم عملية تدمير (بيرل هاربور) ببراعة متناهية مستخدما آخر ما انتهت اليه تكنولوجيا الحيل السينمائية المجسمة بالمؤثرات الصوتية.. لمدة نصف ساعة تقريبا هي المدة الزمنية التي دمرت فيها قاعدة (بيريل هاربور) ونحن نعيش كل تفاصيل ماجرى على الشاشة.. نرى الطائرات اليابانية وهي تنقض على المدمرات الأمريكية.. نرى قنابل الطوربيد البحرية وهي تخترق الماء لتصل الى بطن السفن المسترخية على الشاطئ.. نرى أشلاء الجنود وهي تتمزق وتطير في الهواء.. نرى الحرائق وهي تشتعل في مخازن الوقود.. نرى الرصاص يحصد تجمعات الجنود.. أن كل هذه التفاصيل المذهلة هي أهم مافي الفيلم.. بل انها هي ماسعى اليه صناع الفيلم.. فقد أرادوا تسجيل ماجرى على شاشة السينما ذاكرة الشعوب بصورة مباشرة. ولكن.. لا يمكن أن يتصور صناع الفيلم أن هذا الهدف يكفي لان ينفقوا كل هذه الملايين التي تجاوزت كل ما أنفق من قبل على فيلم سينمائي بما في ذلك فيلم (تايتانيك).. أو يكفي لاقناع المتفرجين أن يدفعوا ثمن تذكرة السينما.. فكان لابد من وجود قصة حب ميلودرامية زاعقة على طريقة الأفلام الهندية.. حيث تحب فتاة واحدة شابين في وقت واحد.. وهما في الوقت نفسه صديقان منذ سنوات الطفولة.. انها جاهزة لأن تفتح صدرها لمن عليه الدور.. حتى انها تقول لأحدهما: إن قلبها معه وعقلها مع الآخر.. وكان لابد من حل ساذج على طريقة الأفلام المصرية.. على طريقة (الثلاثة يحبونها). ومهما قال النقاد والمؤرخون عن الفيلم فإنه يستحق المشاهدة.. مشاهدة الجمهور الذي لم يعد يصدق أفلامنا الساذجة وآخرها (يمين طلاق).. ومشاهدة صناع السينما الذي يعجزون حتى الآن عن عمل فيلم عن (يونيو) أو (أكتوبر).. دون أن يدركوا أنهما وجهان لعملة واحدة وعملية واحدة.