خلال يوم واحد فقط سمعت ثلاث شكاوى مصدرها أولياء أمور وتابعت لقاءً شيقاً مع السيدة مريم نور عبر تلفزيون البحرين، وقد تتساءلون عن الرابط بين الشكاوى ومريم نور، في لقاء السيدة نور كانت تتحدث عن برامج الغذاء السليم كعادتها، مشككة في كل ما نتناوله ونرتديه ونشربه ونتعامل معه، حتى يخيل إليك بعد انتهاء حديثها بأنك لم تفعل في حياتك شيئا صحيحاً على الإطلاق، وبأنك أجهل خلق الله في أهم خصوصياتك المتعلقة بصحتك وملابسك وعلاقتك بجسدك وروحك. وبينما كانت تستفيض في حديثها قاطعها المذيع قائلاً: سيدة مريم وقت البرنامج للأسف لا يتسع لاستعراض هذه الكتب التي تشيرين إليها، فما كان منها إلا ان بادرته: تريد أن تنهي البرنامج المفيد الذي يقدم للناس شيئا يعنيهم ويفيدهم ويوعيهم لتملأ ساعات البث بالأغاني والرقص والصخب وأضواء النيون؟ البرنامج لا يتسع لما يهم الناس، لكنه يتسع لما يضرهم! وصمت المذيع وأكملت مريم نور! طبعاً مريم نور لم تكن سوى واحدة من آلاف المواطنين العرب على امتداد الرقعة العربية الذين انفطرت قلوبهم مما يعرض على شاشاتنا العربية، مما يزيدنا جهلاً بأمور حياتنا الحقيقية، ويبعدنا تماماً عن منابع الوعي والمعرفة والتسلية النظيفة، فشاشاتنا وهذه هي القاسم المشترك بين احتجاج مريم نور، وشكاوى اولياء الأمور، هذه الشاشات اما ان تستعرض لنا اخبار الحروب والمجازر والدمار ووجوه الساسة الذين ينكدون ليل الانسان ونهاره ببرودة اعصابهم وابتساماتهم وتحركاتهم المريبة، واما ان تستعرض مواهب المذيعات الفاتنات اللواتي يخاطبن المشاهد بكل مكشوف وفاضح جداً، وبين الاستعراضين فواصل لا تنتهي من لقاءات الفن التافهة، ووصلات الغناء والرقص ومشاهد فاضحة لا تنتهي، وبرامج موترة للأعصاب وللجهاز الهضمي مثل البرنامج الذي استعرض في احدى حلقاته: تاريخ الرقص الشرقي وهل هو فن اباحي ام لا؟ وكانت الضيفات شهيرات الرقص الشرقي في أشهر الكابريهات العربية!! هذه هي المهمة القومية الكبرى لأكثر قنواتنا الفضائية شهرة: تسطيح المشاهد العربي فكرياً وثقافياً، والقضاء على ذائقته وحواسه وانسانيته وتنويمه مغناطيسياً عن طريق مقدمات البرامج الناعسات العاريات، ولذلك فلا عجب ان يحتج اولياء الأمور خوفاً على ابنائهم وحماية لأسرهم. فأحد هؤلاء غاضب جداً من عدم وجود رقابة على الأفلام العربية والأجنبية تحديداً المعروضة على القنوات العربية غير المشفرة، فهذه الأفلام اقل ما يقال عنها حسب تعبيره انها مدمرة لكل معاني الاخلاق والأدب للشباب والمراهقين. ولية امر اتصلت غاضبة بسبب قيام احد المراكز التجارية في امارة دبي بعرض فيلم اباحي في قاعة عامة يرتادها الجميع، وعند سؤال الادارة ادعت بأن الفيلم عرض بشكل خاطئ وبأنه سوء اختيار من رجال الأمن! هل هذه مهمة رجال الأمن في المراكز التجارية؟ ولي أمر آخر ذهب ليشتري لشقيقته الصغيرة مجموعة كتب من احدى المكتبات الخاصة بأحد المراكز التجارية فوجد في ركن مخصص للصغار كتبا عن حكاية مونيكا لوينسكي، والحب والغرام و... ولي امر ذكر بأنه نهر ابنه حينما وجده يشاهد فيلماً فاضحاً على شاشة احدى القنوات المشفرة فما كان من المراهق سوى ان رد على والده: التلفزيون ممنوع، والسينما ممنوعة، والمقهى حرمتني منه لان فيه شيشة، والسهر ممنوع، والسنتر ممنوع، والسفر غير وارد، اذن الى اين نذهب؟ وكيف نقضي الوقت؟ سألني الأب بحسرة: فعلاً الى اين يذهب هؤلاء الشباب المراهقون بعد انتهاء المدارس اذا كانت كل الوسائل ملغومة ومليئة بالأخطار والقنابل الاخلاقية الموقوتة؟؟ لم اجبه لكنني اسأل المسئولين عن الشباب والاعلام والتلفزيون والسينما والمقاهي، والنوادي الرياضية لعل لديهم الجواب!