.. هذه المرة يزوره وحيداً، اختار فيه زاوية مظلمة وطاولة صغيرة وجلس على المقهى يبعثر دواخله، إنها تحمل أشياء كثيرة، لكنها غير سارة. ما أطول الرحلة من دبي إلى الهند على ظهر محمل خشبي، تغدر به الرياح إذا تقلبت وغضبت، يأكل من عليه لحظتها الموت والتعب والبحر إذا لم يكن قوياً. قوي في دواخله. تقصر المسافة إذا ربحت تجارة المسافر، باع اللؤلؤ وهرّب الذهب وعاد بالارزاق والخيرات. هذا الجالس وحيداً أمام الطاولة واحد من الذين يعرفهم البحر وتعرفهم الهند، إنه من مشاهير الخليج الذين ملكوا المال واللؤلؤ وفنون التجارة. لماذا هو وحيد، ولماذا الحزن، هنا في «مرج»؟! يكتب سلطان بن علي العويس تاريخ هذا اليوم في حياته:«كنت جالساً في مقهى في الهند ورأيت شابين بينهما حوار أدبي يدور حول فيلم أنتج حديثاً، وغمرتني عاصفة من الحزن، لأني في ذلك الوقت كنت راجعاً من المستشفى الذي كان يرقد فيه خلفان بن مصبح رحمة الله عليه، وكان الداء الذي أصابه لا شفاء له منه، فذلك ما قد قاله الاطباء، فقلت في نفسي يا الله هل انقطع الحوار بيننا؟ أم نرجع مثل هذين الشابين في الحوار. لكن الجواب المر كان بـ : لا..». لم يكن خلفان بن مصبح عند سلطان العويس مجرد (راعي البلاد) في محنة مرض، تعارفا في غربة، فقرّب بينهما الحنين وذكر الوطن. وهو أكبر من صاحب قديم ورفيق شعر. إنه جزء منه، من صباه وأحلامه، كانوا ثلاثة: صقر وسلطان وخلفان، وكانت «الحيرة» أرض الطفولة والعشق والشعر أنجبتهم وقرّبتهم وفرقت بينهم الحياة، وظل فيهم الحنين والذكريات. لهذا كان يسكنه الحزن والكرب الشديدان عندما شاهد صديق عمره في رحلة الموت يتعذب ويذوب. فماذا في حياة خلفان بن مصبح؟ لا شيء وكل شيء! أعطاها الطموح واعطته العذاب، عندما خرج اليها صفعته أول مرة، فحرمته من بيت الحنين، ذلك الذي تسكنه الألفة والاستقرار ويشعر فيه الطفل بالامان والرضا والسعادة. افترق والداه وسكن بيت جده، وسمع عن الموت صغيراً عندما قتل والده وهو في سن مبكرة. كبر وانشغلت نفسه بحب الدراسة والتعلم، وما ان تعلق بهذا العالم إلا وانقطع به الدرب قبل ان يصل إلى منتصف نقطة البداية، فرحل المعلم وبقي يعلم نفسه بالقراءة. هذه مجرد مقدمات، فلم يبدأ له وجه الحياة المظلم بعد! حلم ان يكبر بسرعة، حمله الشباب الى البحر، فسافر مع الكبار، يساعد جده في أي عمل يطلب منه، رغبته ان يتعلم ويتمرس وينجح. سقطة صغيرة من ظهر السفينة، جاءت بزلة رجل أو حالة دوار سببها البحر، جعلت خلفان يهوي الى قاع المركب، انتبه الى الشج الذي احدثته السقطة في مقدمة رأسه وأهمل الكدمة التي أصابت اسفل ظهره. ومن اسفل الظهر جاء الوجع المزمن، لم تنفع معه ألواح الطين ووصفات اعشاب الطب الشعبي، وزاده «ميسم» النار عذابا. فذهبوا به الى البحرين، وعندما فحصه الاطباء وجدوا ان الداء قد كبر كثيراً، عالجوه ووصفوا له الدواء، وطالبوه بالصبر والانتظار، لكنه اخبرهم انه نسي قلبه هناك في الحيرة، ولا يمكنه ان يحتمل الصبر أكثر، فقرر ان يعود، وعاد، وحالته بين الشفاء والمرض لا يعرف الى ايهما اقرب، وعندما شاهد وطنه أحس ان قلبه افضل، شعر بالفرح لكن المرض لم يمهله كثيراً، سحب منه لهفة الولهان في لحظة انتظار وحمّله مزيداً من السقم والآلام. ما عاد يحتمل أوجاعاً لا تهدأ ولا تنام وجسداً يتساقط لا يقوى على شيء. فكان لابد من الهند، هناك الطب متقدم وتمتاز انها تمتلك امهر الاطباء وافضل العلاجات لمثل حالته، هكذا وصفوها له، وحملوه اليها، إلى «مرج» وبدأت اطول رحلة في حياته. مر اليوم الاول في العلاج تبعه اسبوع وشهر وثلاثة وسنة كاملة، يتماثل جرحه للشفاء بينما قلبه عليل، ما عاد يشغله مرض جسده، ان الحنين يقتله من الداخل. من هناك أرسل واحدة من روائعه الشعرية، يحملها آهاته وشوقه نحو الوطن، في هذه النونية يبحث عن قلبه المفقود: عزّ التأسي وفاض الدمع هتّانا والصبر أدبر والسلوان أعياناً إن تبكِ ياطير إلفا نازحاً ونوى سهم الفراق الذي أضناك أضنانا أوّاه يا طير ما «مرج» لنا وطن وما مرابعها نخلا وكثبانا لكنما الدهر ألقانا بساحتها رغما علينا فلا كانت ولا كانا كنزُ تركنا وعين الله تحرسه إن ساعد الحظ نلقاه ويلقانا كان العزاء لنا والصبر إن عبثت حوادث الدهر عزّانا وسلاّنا هذا هو الدهر لا تصفو عواقبه إنْ سّر حيناً قد يبكيك أحياناً بالله يا نسمات قد سرت سحراً هل تحملين من الملتاع اشجانا الى الذين استعضنا بعد فرقتهم حرّ الصبابة اشواقاً واحزانا وخبريهم بحال قد غدوت به مضنى وحيداً كئيب القلب ولهانا أقضي الليالي وأنّاتي تسامرني فلا عزاءً ولا أهل واخوانا قد كان لي أملُ أودى بنضرته طول الزمان ومرّ السقم أحياناً يا نفس هذا قضاء الله فاصطبري هذي الحياة وما سالوك تبيانا وبدأ عام آخر، طالت لياليه أكثر من الذي رحل، فتجرع مرها وسهرها حتى اكتملت، وطالبوه ان يكون قوياً ويكمل عاما آخر، ولكن اين القوة والصبر عند خلفان لقد نفدا منذ زمن، فلم يسمع لهم، تركهم ورضي بنار المرض في تراب الحيرة. بعد ان هجر مرج عاوده السقم بصورة أكثر حدة، حاول ان يقاوم، كان يستمد قوة صموده من رائحة الارض التي عاد لها، لكن جسده ما عاد فيه مكان يقاوم الداء. رحمه الموت عندما قرر ان يأخذه من شقاء المرض. من هذه الحياة. لولا الجهد الذي بذله كل من: ابراهيم بوملحة في الدراسة الادبية الرائدة التي قدمها عن حياة وشعر خلفان بن مصبح والتي قدم لها سلطان بن علي العويس رحمه الله بالسطور التي اخترت بعضها في أول الزاوية، وكذلك العمل الذي اعده شوقي رافع عن الشاعر بعنوان (الشاعر الجامح) وشارك في جمعه: امنة وفاطمة سالم وخالد المحمود، وحققه د. وليد خالص، صدر الاول عن ندوة الثقافة والعلوم والثاني عن اتحاد كتاب وأدباء الامارات. لولا دور هؤلاء، لضاعت سيرة واشعار هذا الشاعر، ولفه النسيان كما هي اشياء عديدة في تاريخ وثقافة وذاكرة هذا الوطن، ضاعت ولم ينتبه لها أحد. من يتذكر خلفان بن مصبح ويبحث عن صفحات كثيرة لاتزال مجهولة ومفقودة في سيرة حياته واشعاره؟ Shmitrif@Hotmail.com