ما من بؤرة ساخنة في أي موقع في الساحة الدولية الا واتخذت روسيا بوتين موقفا حيالها ينشأ عنه بالحتمية صدام بينها وبين الولايات المتحدة ـ عدا مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي او ما يطلق عليه قضية الشرق الاوسط. فلماذا؟ ان السياسة التي تنتهجها موسكو تجاه الصراع العربي الاسرائيلي وتطوراته، بما في ذلك الانتفاضة الفلسطينية والقمع الاسرائيلي الوحشي لها، تتراوح ما بين السكوت السالب والانحياز الناشط لصالح المواقف والممارسات الامريكية ـ الاسرائيلية. وفي كل الاحوال هي سياسة معادية للطرف الفلسطيني، رغم ان هذا العداء لا يتخذ شكلا حادا. ومما يضاعف من أهمية التساؤل بشأن هذا النهج الروسي على الصعيد الدولي ان ادارة الرئيس فلاديمير بوتين تنتهج في الداخل سياسة تستهدف كأولوية قصوى تصفية النفوذ اليهودي في المؤسسات المفتاحية للاقتصاد الوطني الروسي. فقد ظل الهاجس الاعظم للرئيس بوتين هو ملاحقة المليارديرات اليهود الروس الذين كانوا المستفيد الاول من انهيار الاتحاد السوفييتي عن طريق شراء المؤسسات الانتاجية الرئيسية، بمساعدة بيوت المال اليهودية في الغرب، بعد ان نزعت هذه المؤسسات من ملكية الدولة وعرضت للبيع على سبيل خصخصة الاقتصاد الروسي. ان البؤر التي تحولت فيها علاقة روسيا مع الولايات المتحدة الى احتكاكات وصدامات بعضها خطير تنتشر على مساحة العالم من العراق وايران في الشرق الاوسط الى البلقان في اوروبا الى الصين وكوريا الشمالية في اسيا الشرقية. ولكن بقدر ما يعجب اي عربي بجسارة روسيا بوتين في هذه المواجهات انطلاقا من مصالحها الجيوسياسية بقدر ما يصدم من سياسة التخاذل التي تنتهجها موسكو في الشرق الاوسط تجاه الثنائي الاسرائيلي الامريكي. على صعيد القضية العراقية تتخذ موسكو موقفا مناقضا للولايات المتحدة بضغوطها الدبلوماسية المتصلة لالغاء نظام العقوبات المفروض على العراق. وفيما يتعلق بايران تواصل روسيا بعناد، في وجه تهديدات امريكية متجددة، تزويد طهران بتكنولوجيا صناعة الصواريخ طويلة المدى وتطوير منشآت البرنامج النووي الايراني. وفي البلقان كاد يقع صدام مسلح بين روسيا والولايات المتحدة عندما تصاعدت المعارضة الروسية للحرب الجوية التي شنتها الولايات المتحدة باسم «ناتو» على يوغسلافيا ميلوسيفتش. وبينما تنزلق علاقات الولايات المتحدة مع الصين على طريق التوتر المتعاظم بعد ان صنفت ادارة بوش هذه القوة الاسيوية الدولية كعدو فان روسيا منهمكة في نسج شراكة استراتيجية مع الصين موجهة ضمنا ضد واشنطن. فلماذا تتبخر هذه الجسارات الروسية عندما يتعلق الامر بالصراع العربي الاسرائيلي الى درجة ان موسكو تتخذ موقفا عدائيا ضد المقاومة الشعبية الفلسطينية؟ للاجابة على هذا السؤال يجب ان نستعيد الى الاذهان منطق المصالح الحيوية. ان روسيا تدرك انها لو اتخذت موقفا تضامنيا مع الحق الفلسطيني، وبالتالي ضد اسرائيل فان مثل هذا الموقف سوف يقودها الى صدام حتمي مع الولايات المتحدة. هنا تدخل حسابات المصالح. فما يمكن ان تخسره روسيا بسبب صدام مع امريكا في هذا السياق لن تعوضه الدول العربية لموسكو. على العكس.. فقد تجنح دول عربية بتحريض من واشنطن الى مقاطعة روسيا. ان روسيا تعلم علم اليقين ان تلك الظروف التي فتحت ابواب العالم العربي للاتحاد السوفييتي كسوق ضخمة للاسلحة والسلع المدنية قد زالت تماما بعد حلول العصر الامريكي بالكامل في العالم العربي.