غالباً ما حاول البعض الفلسطيني والعربي، الانطلاق من مقولات وهمية ،تحمل بين ظهرانيها الكثير من الانتقادات والتفسيرات المشوشة والتخوفات بل والاتهامات ،إزاء وقف إطلاق النار المفاجئ ،الذي أعلنه رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، منطلقين من أن هذا الإعلان سيعطي شارون دفعاً جديداً على المستوى الداخلي الإسرائيلي ،وسيعيد رص صفوف تحالفاته المؤلفة ،أو المرتكزة إذا شئت لغالبية الطيف السياسي الحزبي الإسرائيلي .مع الأخذ من البداية بعين الاعتبار أن جملة المواقف الفلسطينية والعربية الرافضة لهذا الإعلان لم تنطلق بكل تأكيد إلا من الحرص على مستقبل القضية وحق الشعب الفلسطيني الممهور بالدم والتضحيات منذ نهاية القرن التاسع عشر ،مروراً بالقرن العشرين ولا يزال إلى هذه اللحظة الدامية ،التي نشهد فصولها المأساوية بكل لحظاتها الرقشاء الرمادية . لكن بعيداً عن المشاعر السامية المجبولة بالقناعات الدامغة بالحق العربي والفلسطيني ،لا بد من الاعتراف أن وقف إطلاق النار قد زاد من جملة أزماته السياسية ،فبالمقدار الذي واجه شارون في ظل احتدام الصراع مع الفلسطينيين عسكريا ،بما في ذلك تنامي العمليات الاستشهادية ،داخل ما يسمى «بالخط الأخضر» مجازاً ،تصاعدت أصوات المستوطنين المحتجين على قصور شارون في لجم الانتفاضة ،وعدم قدرته على تحقيق وعوده في الأمن ،لكافة الفئات والشرائح الاجتماعية ولكافة الأجناس والأصول شرقية كانت أم غربية .نجد أن شارون سيواجه ،باللحظة ذاتها وفور إعلانه قبول مشروع جورج تينيت حزمة من المواقف تقوم على اختيار واحد من أمرين ،إما أن يختار بين التخلي عن ما يسمى الوحدة الوطنية ،إن رفض الانخراط بالرؤية الأمريكية ،التي يسوق لها استناداً إلى تقرير ميتشل ،بصرف النظر عن التعديلات والتأويلات ،رئيس «السي. أي .أيه»،ويتخلى بالنهاية عن تحالفه مع ما يسمى باليسار ممثلاً بوزير خارجيته شيمون بيريز ، أو بقبولها وهذا سيفكك تحالفه مع ما يسمى بالجناح اليميني وهو الجناح الغالب في تحالفه الحكومي، إضافة إلى أنصاره من غلاة المستوطنين الذين لايزالون يرون فيه المخلص والمحافظ الأمين على مصالحهم .وقد يكون إقناع الفلسطينيين للجانب الأمريكي ،وللوسطاء الأوروبيين والروس والأمم المتحدة، بجدية موقفهم وعدم تنازلهم عن تقرير ميتشل كلاً متكاملاً فبالضرورة سيدخل هذا التقرير حسب اعتقادي حيز التنفيذ ،وسيزيد من أزمات شارون بشكل واضح .وهنا يمكننا التكهن بأن حجم الدعم والإجماع، الذين كان يحظى بهما شارون ،بسبب الوضع الانتقالي العام في اسرائيل ،سيبدأ تدريجياً بالانحسار والتراجع .ولا غرابة بالأمر إذا ما قلنا ،بعيداً عن الهواجس والرغبات بكل تأكيد ،بأننا سوف نشهد في الأيام القليلة المقبلة ،حالة من التفسخ و الانفضاض في كتلة شارون والأحزمة السياسية والحزبية المحيطة به ،والتي شكلت في الأيام الماضية ضمانة لاستمراره حتى هذه اللحظة في الحكم ،ودرعاً من الأمان وقته من الأزمات ،التي تعودنا أن نعيش على الدوام فصولها في اسرائيل ،على المستويين السياسي والحزبي ،والاهم من ذلك الشعبي الذي يجنح نحو التطرف في كل ما يمارس أو يقول . وهذا الكلام مستند إلى مجموعة من الحقائق ، التي لا يمكننا إغفالها أو تجاهلها ،أهمها أن تحقيق الأمن سيبقى شيئاً نسبياً بالنسبة للإسرائيليين، طالما بقيت قياداتهم بعيداً عن يسارييهم أو يمينييهم يتجاهلون الحلول السياسية،والذي يعتبر الأمن أحد بنودها المطروحة على جدول الحل ،وليس محورها الأساس كما يحاولون دائماً ،بهدف القفز على الاتفاقيات والقرارات الدولية من جهة ،وارضاء أو تلبية رغباتهم الجامحة ،التي تحمل روح العدائية والتطرف والتوسع وعدم الاعتراف بالآخر وبحقه التاريخي والسياسي ،من جهة أخرى .ومن نافلة القول ،أن التمترس خلف شعار الأمن ،وتجاهل الحلول السياسية بشكل عام ،قد وضع اسرائيل بعامة وشارون بخاصة ،أمام حقيقة صعبة لا يمكن تجاوزها ،والمتمثلة ببروز القناعة لدى خمس السكان الإسرائيليين بأنهم ،بدأوا يفكرون بالهجرة من اسرائيل ،وأن حوالي الثلث يتحدثون بالهجرة مع إطارهم الاجتماعي الأوسع .وحسب ما أوردته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية ،يوم 8/6/2001 ،أن هناك 17% يعترفون بأنهم يفكرون بالهجرة ،وهذا الرقم قد لا يبدو كبيراً ،حسب رأي الجريدة المذكورة ،ولكن في استطلاع اجري قبل عام كان 8% فقط يعترفون بأنهم أو أفراد عائلاتهم يفكرون بالهجرة .وهذه تبدو بعيدة عن أن تكون ظاهرة كبيرة ،غير أنها أكبر مما كانت عليه في الماضي .ولعل هذا الهاجس سيبقى قائما إلى مدى غير منظور ،فشارون لم يستطع وأد السلطة الفلسطينية ،ولم يستطع طرد رئيسها ،بل بالعكس خضع لوقف نار متوازن على طرفي نقيض ،وهذا اعتراف قانوني وحقوقي بالسلطة الفلسطينية وعلى قدم المساواة ،بغض النظر عن المساحات الجغرافية التي تقوم عليها السلطة الفلسطينية .أي بكلام آخر ،فإن شارون الذي وعد المستوطنين باسترداد الأمن واعادة الهدوء والسكينة إلى نفوسهم ،يجد نفسه أمام حواجز وموانع وكوابح من المفارقات ،التي لا يمكنه القفز عنها أو تجاهلها .وهو بذات اللحظة التي يتعرض فيها لحملة من غلاة المستوطنين المتطرفين ، بات مضطراً لإظهار الموضوعية والحكمة ،خاصة وأنه يقبع على كرسي الرئاسة ،وليس من وراء مايكرو انتخابي ،يسمح له بإطلاق الشعارات الفضفاضة على عواهنها .والجدير بالإشارة إلى أن شارون مجرد إعلانه بقبول خطة جورج تينيت ،سيفتح عليه النيران من كل حدب وصوب ،وسيجعل منه جالساً بين كرسيين ،بين ما يسمى باليسار الذي يحاول على الدوام استغلال الكسب الرخيص في تحالفاته كعادته ،والذي لايزال يرى بالرئيس عرفات شريكاً مقبولاً ،لانه إذا ما ابعد عن السلطة باعتقاد بيريز على أقل تقدير ،فلن يجد شريكاً على الطاولة إلا حركة حماس ،والقيادات الشابة في حركة فتح ،لذلك لا بد من دوام النظر إلى السلطة باعتبارها شريكاً .بينما يجد المعسكر الآخر ممثلاً باليمين القومي والديني المتطرف، أن شارون قد تخلى عن جميع التزاماته التي تعهد بها ،ومن ثم سيضطر الى الجلوس على الأرض، بكل تأكيد بين هذين الكرسيين .ويكون بذلك قد وضع نفسه بين فكي كماشة ،لا يمكنه التخلص منها إلا بتقديم استقالته ،أو التخلي عن حكومة الوحدة الوطنية الموسعة ،كما كانت لحظة تسلمه لرئاسة الحكومة ،والتي تغنى بها حتى أصبحت بالنسبة له عشقاً ،رغم أنه يفتقد إلى المشاعر الجميلة ،والعودة مرة أخرى لابتزاز بيريز له ،بسبب الغيرة منه تارة ،والتنافس على الأدوار والشعبية تارة أخرى. ـ كاتب فلسطيني