حوادث صغيرة تمر بنا قد لا ننتبه إليها لكنها في الحقيقة تدل دلالة كبيرة على ما يدور من حولنا، بل وقد تكشف لنا عن القانون الذي يحكم حياتنا، كنت قبل أيام استقل أحد الأتوبيسات اللندنية البطيئة الحركة نظرا لازدحام الشوارع المؤدية إلى احدى ضواحي غرب العاصمة البريطانية، ولأن الجو كان مشمسا على غير العادة في المدينة الضبابية، قررت الصعود إلى الطابق العلوي للاستمتاع بمشاهدة الطريق من الطابق الثاني للأتوبيس، وهي متعة لمن ليس في عجلة من امره، نظرا إلى أن البيوت هناك منخفضة ومتراصة إلى جوار بعضها بطريقة تسمح بانطلاق النظر إلى أفق بعيد. ونظرا لارتفاع درجة الحرارة بعض الشيء، مما كان يعتبر تلطيفا للمناخ اللندني البارد الذي لا يكاد يعرف الصيف إليه طريقا، فقد كانت النوافذ مفتوحة على مصراعيها للتخفيف من الحرارة المثقلة بالرطوبة التي تعبق مناخ الأتوبيس الداخلي، ويبدو أن هذا شجع نحلة على الخروج عن طريقها المعتاد الذي كانت تقطعه مع رفيقاتها من المنحل ذهابا وإيابا بحثا عن الزهور المتفتحة، استكمالا للدورة الطبيعية لعملها كمصنع لأجمل غذاء خلقه الله، وهو العسل الذي فيه شفاء للناس. المعركة اللطيفة يبدو أن النحلة الشقية قررت أن ترافقنا في رحلتنا مستخدمة الأتوبيس نفسه، ولأن النحل عادة تجذبه ألوان وروائح معينة، فقد اكتشفت النحلة بحاستها الطبيعية الطريق إلى وجه طفلة إنجليزية متوردة الخدين تمسك في يدها قطعة من الشكولاته تأكلها في لذة، لا اعرف تحديدا إن كان وجه الطفلة المتورد الشبيه بزهرة متفتحة كان السبب في انجذاب النحلة إلى الطفلة، أم أنها قطعة الشكولاته الشهية التي كانت تمسك بها بين يديها. اندفعت النحلة باتجاه الطفلة التي حاولت أن تهش النحلة بيديها فيما تحاول إخفاء وجهها خلف أحد المقاعد، ولكن النحلة كانت تبتعد قليلا محتمية بشكل غريزي عن اليد المرفوعة تجاهها، ثم تعاود الغارة على الطفلة التي كان يزداد وجهها توردا بفعل الخوف كلما ازداد إصرار النحلة العنيدة على الفوز بما كانت تشتهيه. كل هذا كان يقع تحت بصر القلة القليلة من ركاب الأتوبيس الذين كان بعضهم يغالب الضحك ببسمة على الوجه، واعترف بأن مشهد العراك بين الطفلة والنحلة استهواني كثيرا، وظللت أراقبه مثل باقي ركاب الأتوبيس، ولكن بعد عدة غارات فاشلة من جانب النحلة قررت الأم التدخل في محاولة لإبعاد النحلة عن ابنتها، التي بدأت تصاب برعب حقيقي من أن تصيبها لدغة من تلك النحلة الشقية. ونظرا للعناد الذي أبدته النحلة في هجومها المتكرر صعدت إلى رأس الأم غريزتها الطبيعية في الدفاع عن فلذة كبدها، وفي حركة غريزية تشبه تماما دفاع أي ام عن أولادها، قامت الأم بمواجهة هجوم النحلة بضربة من مجلة نسائية كانت في يدها أردتها صريعة على أرضية الأتوبيس. وربما توقع ركاب الأتوبيس أن المعركة اللطيفة بين النحلة والطفلة انتهت بسقوط النحلة متخبطة تحت أحد الكراسي، ولكن خاب ظن الجميع، أو على الأقل خاب ظني أنا، فما أن سقطت النحلة حتى انطلق صوت إحدى السيدات، يبدو أنها تنتمي إلى جماعات أنصار البيئة والطبيعة، في هجوم لفظي كاسح ضد الأم متهمة إياها بأنها متوحشة ولا تعرف أن تلك الكائنات الضعيفة تمتلك أحاسيس أيضا، ويجب مراعاة ضعفها وعدم التعامل معها بوحشية. تحت وابل الهجوم اللفظي قررت الأم العودة إلى غريزتها الطبيعية فردت على الهجوم بأحسن منه، وبدأت معركة لفظية ساخنة بين الطرفين تحت نظرات باقي الركاب المندهشين، وان كان لكل منا رغبات متعارضة في الانضمام إلى طرف دون الأخر، أو الانضمام إلى الأغلبية الصامتة التي تعتبر الموقف الطبيعي في العالم الديمقراطي، ونظرا لقرب محطة وصولي فقد هبطت من الأتوبيس دون أن اعرف نهاية تلك المعركة المثيرة، أو أتعرف على مواقف أعضاء ذلك المجتمع الصغير من ركاب الأتوبيس. لكن ظل المشهد ماثلا أمامي لعدة أيام لا أستطيع نسيانه، واصبح يلقي بظلاله على عقلي الباطن كلما طالعت صحيفة أو تابعت الأخبار التي تلقيها علينا وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأخرى دون أن نملك القدرة على مراجعة مصادرها أو الرد عليها، فلم يكن الأتوبيس سوى صورة مصغرة للعالم الكبير، والمشهد في صراع «النحلة والطفلة» الذي وقع في هذا الحيز الضيق في شارع مجهول من ضاحية مدينة كبيرة يبين إلى أي حد يمكن أن تتعارض المصالح في هذا العالم، وإلى أي حد يمكن أن تختلط المعايير لتعبر كل منها عن مصلحة كل طرف بغض النظر عن مصالح الأطراف الأخرى. العالم المصغر فقد كانت النحلة تهاجم الطفلة منجذبة بحكم الغريزة نحو قطعة الشكولاته التي تعتبر غذاء شهيا لها، أي لها مصلحة في تلبية حاجتها للغذاء، والطفلة كانت تدفع النحلة عنها، إما بدافع غريزة الخوف أو دفاعا عن قطعة الشكولاته التي تعتبرها ملكا خاصا بها، والأم عندما صرعت النحلة كانت تدافع عن ابنتها بغريزتها الطبيعية كأم، وربما لم تكن ترى في قتل النحلة جريمة بل حقا في الدفاع عن مصلحتها في حماية ابنتها، أما تلك السيدة «الخضراء» التي يبدو من كلامها أنها من جماعات الدفاع عن البيئة فقد كانت تعبر عن وجهة نظرها في تحريم قتل النحلة لمجرد أنها هاجمت الطفلة، ولم تر تلك السيدة سوى مصلحتها في الإعلان عن مبادئ تؤمن بها. من هنا كانت المصالح متعارضة، وهذا التعارض في الحقيقة ما كان له أن يؤدي إلى مثل هذه المعركة لو أن العالم الذي نعيشه يؤمن بقيم واضحة يتم تطبيقها بمقياس واحد، أو على الأقل بمقاييس متقاربة نسبيا، ولكن المعايير التي يطبقها البشر في عالم اليوم قيمها متعددة، ولكل جماعة فيه معاييرها الخاصة، بل الأخطر من كل هذا أنه أصبح في العالم المادي الاستهلاكي الذي نعيشه لكل فرد معاييره الشخصية التي يرى من خلالها ما يدور من حوله، بل ويحاول أن يفرض رؤيته على العالم كله. ولو قارنا ما جرى في العالم المصغر «الأتوبيس» الذي وقع فيه الصراع بين النحلة والطفلة، فإننا لن نجد فيه اختلافا كبيرا عما يجري في العالم المكبر «العلاقات الدولية». اعتداء على الطبيعة قبل أسابيع قليلة طلعت علينا الأنباء بهجوم على الرئيس العراقي صدام حسين، لا بسبب ما قام به من غزو الكويت وما نتج عن هذا الغزو من مآس، سواء بالنسبة لضحاياه من الكويتيين أو ما تبعه من الضحايا العراقيين بسبب الحصار الناتج عن الحرب بعد الغزو، ولا حتى بسبب ممارساته الدكتاتورية ضد شعبه الذي يموت فيه الأطفال والعجزة والشيوخ دون أن يحاول قبول الحلول الوسطية التي تحاول التخفيف من حدة الحصار، بل كان الهجوم على صدام حسين ونظامه بسبب تعرض مناطق الأهوار العراقية لعمليات تجفيف تقول الجماعات التي شنت هذا الهجوم أن عمليات التجفيف تلك تعتبر اعتداء على الطبيعة (!). على الرغم من تأييد وسائل الإعلام لتلك الجماعات المتباكية على الطبيعة في جنوب العراق فإن أحدا لم يتوقف قليلا أمامها ويتساءل إن كان الدفاع عن الطبيعة العراقية منزها عن الغرض، أم أن تلك الجماعات تم استخدامها كوسيلة لتوجيه مزيد من الهجوم على النظام العراقي، لأن هذه الجماعات المتباكية على تجفيف جزء من الاهوار لا تحرك ساكنا إزاء الاعتداء اليومي والمتكرر على الطبيعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جانب إسرائيل، التي تقوم بتجريف الأراضي وقطع الأشجار وتحويل مياه الأنهار دون أن نسمع عن تلك الجماعات، ولا تنشر وسائل الإعلام الداعمة لها كلمة واحدة أو تعليقا على الهمجية الصهيونية ضد الطبيعة العربية، بل نجد أن معظم الإعلام الغربي يغمض عينيه عن الممارسات الإسرائيلية ضد الطبيعة والبشر في الأراضي المحتلة، ويتجه ببصره إلى أماكن أخرى. الأمر الأخر الذي يطرح في عمليات الدفاع عن اهوار العراق، هو كيفية حصول تلك الجماعات المدافعة عن البيئة على الصور الفضائية التي تعزز بها اتهامها بالاعتداء على الطبيعة، فالكل يعلم أن تلك الصور تأتي عبر أقمار التجسس التي تطلقها الولايات المتحدة في الفضاء، ومعروف أنها لا تسمح لأحد بالاطلاع عليها إلا لأصدقائها في إسرائيل. أهداف ومصالح وإذا كان هناك من يقول أن وكالة الفضاء الأمريكية تبيع الصور التي لا تمثل خطورة استراتيجية لمن يدفع، فإن شراء تلك الصور مكلف ولا بد من تمويله من جهة ما، ترى من أين تحصل الجماعات المدافعة عن الطبيعة على ثمن تلك الصور؟، وإذا كانت تملك الممول فلماذا يتم دفعها في صور ليست لها قيمة مادية حقيقية، ولا يتم دفعها في الحصول على أدوية وأغذية الشعب العراقي في حاجة إليه خلال ليل حصاره الطويل الذي يكاد يفتك به، أو توجه لمساعدة الشعب الفلسطيني المحاصر في أرضه. من يطرح هذه التساؤلات لن يجد إجابة شافية سوى أن المؤيد لها سيجد نفسه في موقف لا يحسد عليه أمام المعارضين لتلك الأفكار، بل سيجد نفسه في موقف من اثنين أو ثلاثة، تماما كما حدث في الأتوبيس من مشهد النحلة والطفلة الذي اختزل العالم في قطعة شكولاته، إما أن تتخذ موقف أم الطفلة أو تقف إلى جانب السيدة المدافعة عن الطبيعة، أو تنضم إلى الأغلبية الصامتة التي لاذ بها ركاب الأتوبيس، فلكل منهم وجهة نظر متعارضة ولا سبيل إلى التقريب بينها، ولكل منهم أهدافه ومصالحه الخاصة التي يدافع عنها بغض النظر عن الأسباب او المسببات التي تدفعه لاتخاذ هذا الموقف دون ذاك. المنطق الذي يغلب اليوم على المجتمعات الغربية ووسائل إعلامها المعبرة عنها لا يختلف كثيرا عن المنطق الثنائي النظرة في الدول المتخلفة: «إن لم تكن معي فأنت ضدي». ـ كاتب مصري . * HYPERLINK "mailto:tshahin@maktoob.com" tshahin@maktoob.com