في الخامس والعشرين من يونيو عام 1811، كتب وريث احدى الأسر البارونية في بريطانيا، وكان في التاسعة عشرة من عمره الى معلمته الشابة: «أنا لا انتمي الى الارستقراطيين بالمرة، ولكني أتوق بشدة الى زمن يستطيع الانسان ان يجرؤ فيه على أن يعيش في وفاق مع الطبيعة والعقل وبالتالي مع الفضيلة». ولم يكن ذلك سوى الشاعر الانجليزي «بيرسي شيللي» الذي ظل معتقداً طوال حياته بأن الشعراء «هم مشرعو العالم غير المعترف بهم» حيث الشعر من وجهة نظره ـ وربما من وجهة نظر كل الشعراء ـ هو اكثر من مجرد اظهار البراعة اللفظية، انه الهدف الاخطر من بين جميع أنواع الكتابات، الشعر كما يقول «شيللي» «نبوءة وقانون ومعرفة، قادر على ملء الفراغ الاخلاقي وايقاظ العقل، وكشف النقاب عن الجمال المجنون». وقد كنت اتصور دائماً بأن نظم الشعر من أكثر الابداعات الانسانية شفافية وارتقاء، حيث لا يخلو من اقتحام عذب لحصون اللغة المنيعة، وتحويلها الى مساحات بلا حدود وسماوات بلا نهاية. فإذا بالشاعر يسكن قلب اللغة، فلا تدري من أوجد الآخر الشاعر أم لغته؟ تماماً كما تتساءل من وجد قبل الآخر الزهرة أم العطر؟ الدخول في مساحات الشعر، اجتراح جميل للعذوبة، ونسيان ضروري لهذه الفجاجة والقسوة التي باتت تغلف حياتنا، وترسم تفاصيلها وتفاصيلنا، حتى أصبحنا كجلاميد الصخر التي حطها السيل من عل، نكر ونفر، مقبلين مدبرين في فلوات العمر، نلهث خلف كل شيء. دون ان نقبض شيئاً، فإذا خيم غروب العمر، وفي ايدينا من قبض الريح اكثر مما فيها من متع الاماني والتمنيات، جاءنا صوت من الشعر هاتفاً: دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً اذا حكم القضاء ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء دخولك في قلب الشاعر ـ ان استطعت ـ وسيرك المتمهل معه عبر الزمن، حديثك الذي يشبه الصدفة الأحلى من ألف ميعاد، ذلك كله قد يقاربك ـ ان شئت ـ من الامساك ببعض الزمن الجميل، حين يكون الامساك بالزمن ضرباً من المستحيل او المحال، ما قد يدفعك للشعور بأنك تتنزه على تخوم الكون، أو تحتسي فنجاناً من القهوة مع صديق حميم عند حواف الدنيا، حيث الزمن ينثال من داخلك الى تفاصيل العالم، ومن غلاف الكون الى خلايا روحك. دخولك في قلب الحب ايضاً فرصة اخيرة، يهبك اياها الزمن لتمسك ببعضه لتستوقفه كي تعب دقائقه وثوانيه وكأنك تحتسي ترياق الحياة بتمهل وانتشاء، حيث لا يعطيك الحب بعضه إلا اذا اعطيته كلك، بهذا يسمح لك الزمن ان تقبض على بعض تفاصيله، وان تذهب الى فضاءات ما كان لك ان تطأها وانت تطارد روحك وقلبك تحت اضواء المدن الصاخبة، وخلف الجدران وعلى اسفلت الشوارع. بين الحب والشعر علاقة حميمة بحكم المولد والنشأة، فكلاهما ـ الحب والشعر ـ يولدان في مساحة الحرية وبها يجتازان كل العراقيل، ويجترحان الابداع والتحضر واختلاق الجمال، وصناعة كون آخر وحياة اخرى. من هنا يقول أهل اليونان «سلالة الشعراء لا تعيش دون ان تتمتع بالحرية». بدون الحرية يصبح الحب اطلال جسد ويصبح الشعر اطلال روح، يصدق فيه قول ابراهيم ناجي: يا فؤادي رحم الله الهوى كان صرحاً من خيال فهوى اسقني واشرب على اطلاله وارو عني، طالما الدمع روى